في صباح الـ27 من حزيران عام 1980، لم يكن سجن تدمر يشبه أي يوم عادي، فخلف الجدران الإسمنتية القاسية وفي قلب الصحراء السورية، كان مئات المعتقلين ينتظرون ساعاتهم المعتادة داخل الزنازين، قبل أن يتحول المكان، خلال وقت قصير، إلى واحدة من أكثر صفحات العنف دموية في تاريخ السجون السورية، أيام نظام الأسد البائد.
وجاءت المجزرة بعد يوم واحد من محاولة اغتيال حافظ الأسد في دمشق، وهي الحادثة التي اتهمت السلطات السورية جهات معارضة بالوقوف خلفها، واستغلتها لارتكاب واحدة من أبشع المجازر بحق السجناء، وفي أعقاب ذلك صدرت أوامر بتنفيذ “عملية عسكرية” داخل سجن تدمر، لتبدأ حملة قتل جماعي طالت المئات من معتقلي الرأي.
ووفق شهادات ناجين وتقارير حقوقية، وصلت قوة تابعة لما كان يعرف بـ “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد إلى السجن على متن مروحيات، واقتحمت المهاجع صباح ذلك اليوم، وكان التوقيت مختلفاً عن المعتاد، فقد بدأ التفقد في ساعات مبكرة، قبل أن يسمع المعتقلون أصوات تحركات عسكرية كثيفة قرب الزنازين.

وبعد التاسعة صباحاً، دوّى انفجار قنبلة يدوية أعقبه إطلاق نار كثيف، حيث أُطلقت النيران على المهاجع بالتزامن، وانقطعت المياه والكهرباء عن السجن، بينما عاش من بقي خلف الأبواب المغلقة لحظات من الرعب والانتظار، غير مدركين حجم ما يجري في الخارج.
ويروي ناجون أن أحد المهاجع نجا من الاقتحام، ليكتشف من بقي داخله لاحقًا أنهم كانوا من القلة التي خرجت من ذلك اليوم على قيد الحياة، وعندما هدأت أصوات الرصاص، بقيت آثار المجزرة شاهدة على ما حدث، بركة دماء في الساحة، وجثث نُقلت بعيداً عن أعين المعتقلين، في محاولة لإخفاء حجم المأساة.
وتختلف تقديرات أعداد الضحايا بين المصادر، إلا أن تقارير حقوقية أشارت إلى مقتل نحو ألف معتقل أو أكثر، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن أعداد تجاوزت ذلك، ولم تُعلن حينها أسماء القتلى، كما بقيت أماكن دفن كثيرين من الضحايا موضع مطالبات مستمرة بالكشف عنها.
وحسب شهادات معتقلين سابقين، دُفنت الجثث في مناطق صحراوية قريبة من السجن، وبعد انتهاء العملية عاد السجن إلى عمله المعتاد، لكن الناجين حملوا معهم ذاكرة يوم لم يغادرهم.
لم تكن مجزرة تدمر حادثة داخل أسوار سجن بعيد في الصحراء، بل أصبحت رمزاً لهمجية الدولة حين تتحول السجون إلى أماكن خارج الرقابة والمساءلة، وبعد سنوات، خرجت شهادات من ناجين ومن أفراد شاركوا في العملية، لتعيد فتح ملف بقي طويلاً في الظل.
وبقيت القضية حاضرة في التقارير الحقوقية الدولية التي طالبت بكشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومعرفة مصير الضحايا، فخلف الأرقام الكبيرة، كانت هناك وجوه وأسماء وحكايات انقطعت في صباح واحد داخل سجن ظلت جدرانه تحمل صدى تلك الساعات.
الوطن – أسرة التحرير








