الوطن – أسرة التحرير
لم يكن سجن تدمر بالنسبة للإعلام الغربي أو الباحثين الدوليين مجرد سجن عسكري في قلب الصحراء السورية، بل تحول منذ مجزرة 27 حزيران 1980 إلى اسم يتجاوز حدود الجغرافيا السورية ليصبح في نظر الإعلام الغربي والباحثين الدوليين، رمزاً عالمياً للتعذيب والإعدامات الجماعية والإفلات من العقاب ومحطةً مفصلية في دراسة الدولة الأمنية وأساليبها في قمع الخصوم.
وربما تكمن خصوصية سجن تدمر في أن صورته العالمية لم تُبنَ على رواية رسمية أو وثائق حكومية، بل تشكلت من شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية، وأبحاث الأكاديميين وتحقيقات وسائل الإعلام الدولية، حتى بات اسمه يتكرر في الكتب والدراسات والصحف الغربية كلما طُرح الحديث عن أكثر السجون قسوة في العالم.

ولعل من أكثر التوصيفات تأثيراً ما ورد في تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر عام 1996 تحت عنوان “إرث من الإرهاب”، وهو عنوان لم يصف المجزرة وحدها، بل لخص المكان بأكمله، حيث اعتبرت المنظمة أن سجن تدمر اكتسب سمعته بسبب “الانتهاكات الوحشية التي وقعت فيه منذ عام 1980″، مؤكدةً أن السجن أصبح أحد أبرز رموز القمع السياسي في سوريا.
أما منظمة العفو الدولية، فقد ذهبت إلى ما هو أبعد من توثيق الجريمة، إذ دعت في الذكرى العشرين للمجزرة إلى إنهاء ما وصفته بـ”نظام السجون القائم على اليأس”، معتبرة أن مجزرة تدمر شكلت واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الاعتقال السياسي السوري، ولم يكن لافتاً في خطاب المنظمة توصيفها للمجزرة فحسب، بل ربطها بين العدالة والذاكرة، مؤكدة أن بناء دولة القانون لا يمكن أن يتحقق دون كشف حقيقة ما جرى ومحاسبة المسؤولين عنه.
وفي الأوساط الأكاديمية، احتل سجن تدمر مكانة خاصة في دراسات الباحثين الغربيين المهتمين بالشأن السوري، فقد اعتبر الباحث الفرنسي ميشيل سورا، في كتابه “دولة البربرية”، أن المجزرة مثلت نقطة تحول في ترسيخ العنف الجماعي كأداة للحكم، ونقل عن وثائق أمنية سورية تقريراً يفيد بأن عدد الضحايا بلغ 1181 سجيناً، وهو رقم ظل حاضراً في كثير من الدراسات اللاحقة، رغم اختلاف التقديرات الحقوقية.
أما الباحث والدبلوماسي الهولندي نيكولاس فان دام، فرأى أن أحداث تدمر مثلت تجسيداً صارخاً لتوسع الدولة الأمنية في استخدام القوة العسكرية ضد معارضيها، لتصبح المجزرة إحدى أبرز محطات الصراع على السلطة في سوريا، بينما تناول الباحث البريطاني باتريك سيل، المجزرة باعتبارها واحدة من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث، وربطها بالسياق السياسي والأمني الذي أعقب محاولة اغتيال المجرم “حافظ الأسد”.
ولم تكن الصحافة الغربية أقل حدة في توصيفها للسجن، فقد وصفته صحيفة “الغارديان” بأنه “أحد أكثر السجون السورية رهبة”، معتبرة أن اسمه أصبح مرادفاً للتعذيب والإعدامات الجماعية، أما هيئة الإذاعة البريطانية BBC، فأطلقت عليه وصف “رمز الرعب في سوريا”، في حين اعتبرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن سجن تدمر تحول إلى “الرمز الأشهر للقمع السياسي” في البلاد، بينما وصفته “واشنطن بوست” بأنه “من أكثر السجون ارتباطاً بالتعذيب في الشرق الأوسط”.
واليوم، بعد ستة وأربعين عاماً، غابت جدران سجن تدمر وبقي اسمه حاضراً في تقارير المنظمات الدولية وأبحاث الباحثين وتحقيقات الصحافة الغربية، بوصفه رمزاً عالمياً للتعذيب والإفلات من العقاب، ودليلاً على أن حفظ الذاكرة يبقى الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة.








