بقلم: د. عطية العلي
ليس كلُّ عودةٍ إلى المكان تعني شوقاً أو رغبة في اللقاء، فبعض الأمكنة تبقى في الذاكرة أثقل من أن تُنسى، وأعمق من أن تمحوها الأيام مهما طال الزمن وتبدلت الأحوال.
في مشهدٍ يختلط فيه الصمت بالذهول، عاد عددٌ من السجناء القدامى إلى سجن تدمر في سوريا، بعد فتراتٍ متفاوتة من الغياب؛ فبعضهم لم يمضِ على خروجه سوى أشهر منذ لحظة تحرير البلد، وآخرون مضت عليهم سنوات. بعضهم يتكئ على عصاه وقد أنهكته السنون، وآخرون يحملون ملامح تعبٍ طويل، لكنهم اجتمعوا على ذاكرة واحدة لا تزال حيّة في داخلهم، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظات الأولى التي عاشوها هناك.

ذلك السجن الذي ارتبط في الذاكرة بالقسوة والعذاب، يقف اليوم شاهداً على مرحلةٍ ثقيلة ومؤلمة من التاريخ، مرّت فيها أصوات كثيرة خلف الجدران، وخطوات كانت تُسمع على عجل، وأيام كانت تمضي ببطء يشبه الانتظار الطويل. كل زاوية فيه تحمل أثراً، وكل جدارٍ يبدو كأنه يحتفظ بما لا يُقال، من أنينٍ وألمٍ لا يغادر المكان.
تقدّم العائدون ببطء داخل المكان، تتبادل عيونهم النظرات مع الجدران والبوابات الحديدية، وكأنهم يستعيدون مشاهد لم تغب عن ذاكرتهم. لم تكن الزيارة عابرة، بل بدت كوقفة طويلة مع الماضي، ومواجهة صامتة بين حاضرٍ مثقل بالتجربة، وذكرياتٍ ما زالت حاضرة بكل تفاصيلها.
أيُّ حنينٍ هذا الذي يقود إنساناً أو جماعةً من الناس إلى مكانٍ كان يوماً عنواناً للألم؟
ليس الحنين إلى المكان نفسه، بل إلى الرفقة التي تشكّلت هناك، إلى وجوهٍ تقاسمت الخوف والصبر، وإلى لحظاتٍ صار فيها الألم لغةً مشتركة تجمع من فرّقهم الواقع ووحّدهم المصير.
هناك، في ذلك المكان الذي يضيق بالزمن ويتّسع للذاكرة، وُلدت حكايات صعبة، عن رجال لم تكسرهم القسوة، بل ظلّت ذكراهم حيّة معهم أينما ذهبوا.
وحين استداروا ليغادروا، لم يكن الخروج مجرد مغادرة لمبنى قديم، بل بدا كأنه إغلاقٌ لفصلٍ ثقيل من الذاكرة، تبقى آثاره عالقة في القلب، لا تمحوها الأيام بسهولة.
يعودُ البعضُ إلى الأماكن لا حبّاً في جدرانها، بل وفاء لمن عاشوا معهم فيها، وقاسموهم الألم والأمل، وشاركوا معهم لحظاتٍ لا تُنسى من الصبر والصمت والدعاء، ثم غادروا إلى رحمة الله تعالى.
تبقى الأماكن شاهدةً، لكن الوفاء الحقيقي هو للقلوب التي مرّت منها، وتركت فيها أثراً لا يمحوه الزمن.








