الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

سوريا بين التحديات والبناء… بداية مرحلة جديدة

‫شارك على:‬
20

في مراحل التحول الكبرى، تتباين الآراء، لكن يبقى بناء المؤسسات هو الأساس الذي تُبنى عليه الدول. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة الموضوعية في تشكيل مجلس الشعب السوري، بوصفها رسالة مخلصة إلى القيادة، وإلى أعضاء المجلس، وإلى أبناء سوريا الحبيبة جميعاً.

هناك محطات في تاريخ الأمم لا تُقاس بحجم الحدث ذاته، وإنما بما يفتحه من آفاق للمستقبل. فحين تبدأ مؤسسات الدولة بالتشكّل، وتتحرك عجلة الحياة السياسية، يشعر الناس بأن الوطن يسير، وأن مرحلة جديدة بدأت تُكتب صفحاتها.

ومن هذا المنطلق، يأتي الإعلان عن تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد، بعد أن اختار الرئيس الأعضاء السبعين ضمن حصة الرئيس، بوصفه خطوة مهمة في مسيرة بناء الدولة السورية الحديثة. وقد تتباين الآراء حول بعض الأسماء أو آلية الاختيار، وهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات، فلا يوجد قرار يحظى بإجماع كامل، إذ إن إرضاء الناس جميعاً غاية لا تُدرك.

لكن الأهم من الاتفاق أو الاختلاف حول الأشخاص هو الاتفاق على أهمية بناء مؤسسات الدولة. فالدول لا تُبنى من فراغ، ولا تستقيم بلا سلطات تقوم بواجبها، ولا تنهض إلا بمؤسسات فاعلة تُشرّع، وتراقب، وتشارك في صناعة المستقبل.

ومن الجوانب التي تستحق التقدير في هذا المجلس ذلك التنوع الذي ضمه؛ فقد اجتمع فيه رجال ونساء، وأطباء ومهندسون، وأكاديميون، وشيوخ عشائر وقبائل، وشخصيات من مختلف المحافظات والاختصاصات. وهذا التنوع يمثل صورة من صور المجتمع السوري، وهو بلا شك عنصر قوة إذا أُحسن توظيفه، واجتمع الجميع على خدمة الوطن، وجعلوا الكفاءة والإخلاص فوق كل اعتبار.

إن سوريا اليوم أحوج ما تكون إلى أن تنتقل من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة البناء، ومن لغة الانقسام إلى لغة الشراكة، ومن استحضار آلام الماضي إلى صناعة مستقبل زاهر يستحقه أبناؤها. فالأوطان لا تعيش على الذكريات، وإنما تنهض بالإرادة والعمل، وبوجود مؤسسات قوية تحمي الدولة وتصون الحقوق.

ولذلك فإن إعطاء هذا المجلس فرصة حقيقية ليؤدي دوره هو موقف يخدم الوطن قبل أن يخدم الأشخاص، لأن نجاح المؤسسات هو نجاح للدولة بأسرها، والحكم على التجارب لا يكون في بداياتها، وإنما بما تقدمه من نتائج وإنجازات.

رسالتنا الأولى: إلى السيد رئيس الجمهورية
فخامة السيد رئيس الجمهورية، سددكم الله…
لقد كانت الأشهر الماضية ومنذ التحرير مرحلة دقيقة واستثنائية، واجهت فيها سوريا تحديات داخلية وخارجية كبيرة، في ظل إرث ثقيل مرهق تركته سنوات طويلة من الأزمات.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه المرحلة شهدت خطوات إيجابية يلمسها كثير من السوريين؛ فقد استعادت سوريا جانباً مهماً من حضورها العربي والإقليمي والدولي، وتحسنت علاقاتها مع عدد كبير من الدول، وبدأت مؤسسات الدولة تستعيد نشاطها، وتحركت عجلة العمل الحكومي في أكثر من اتجاه، كما تهيأت البلاد لمرحلة جديدة عنوانها بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار.

ويأتي تشكيل مجلس الشعب اليوم امتداداً لهذا المسار، وخطوة مهمة في استكمال بناء الدولة، لأن الدول الحديثة تقوم على المؤسسات، وعلى توزيع المسؤوليات، وعلى التكامل بين السلطات، لا على الجهود الفردية وحدها.

وإذا كان المواطن يقدّر كل خطوة تُنجز في سبيل نهضة وطنه، فإنه يتطلع في الوقت ذاته إلى خطوات أكبر تمس حياته اليومية بصورة مباشرة؛ فينتظر اقتصاداً أكثر قوة، وخدمات أفضل، وعدالة أرسخ، وإدارة أكثر كفاءة، وفرصاً أوسع للشباب، ومحاربة حقيقية للفساد، وترسيخاً لدولة القانون التي يتساوى أمامها الجميع.

إن بناء الأوطان ليس حدثاً يُنجز، بل مسار طويل من الصبر والإرادة والحكمة، يحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة رشيدة، وانفتاح على الكفاءات الوطنية، وإشراك أصحاب الخبرة، والاستماع إلى صوت المواطن، لأن الثقة بين الدولة وشعبها هي أعظم رأس مال لأي مشروع نهضوي.

نسأل الله أن يوفقكم لكل خير، وأن يجعل هذه المرحلة بداية لعهد تُبنى فيه سوريا بمؤسساتها، ويترسخ فيه العدل، وتُصان فيه الحقوق، ويعيش فيه المواطن آمناً كريماً، مطمئناً إلى مستقبل وطنه.

رسالتنا الثانية: إلى أعضاء مجلس الشعب
أيها السادة أعضاء مجلس الشعب، وفقكم الله…
لقد منحكم الوطن اليوم ثقة كبيرة، وهذه الثقة ليست لقباً يُضاف إلى الأسماء، ولا مكانة اجتماعية يتفاخر بها أصحابها، وإنما هي أمانة عظيمة ومسؤولية ثقيلة.

إن عضوية مجلس الشعب تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وعهد أمام الله، ثم أمام الشعب، ثم أمام التاريخ.

إن السوريين لا ينتظرون منكم كثرة الوعود والكلمات، وإنما ينتظرون تشريعات عادلة، ورقابة مسؤولة، ومواقف شجاعة، تسهم في حماية مصالح الوطن، وتحقيق العدالة، ودعم التنمية، وتشجيع الاستثمار، والنهوض بالتعليم والصحة والاقتصاد، وتيسير حياة المواطن، وحماية الأسرة، وصيانة المال العام.
اجعلوا ولاءكم لسوريا وحدها، وللدستور والقانون، وضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وكونوا قريبين من الناس، تستمعون إلى همومهم، وتنقلون آمالهم، وتدافعون عن حقوقهم.

وتذكروا أن الشعوب قد تنسى كثيراً من الخطب، لكنها لا تنسى قانوناً أنصفها، ولا موقفاً حمى كرامتها، ولا نائباً صدق في وعده وأخلص في عمله.

ورسالتنا إلى السوريين جميعاً…
إن الأوطان لا تُبنى بالحكومات وحدها، ولا بالمجالس النيابية وحدها، ولا بالرؤساء وحدهم، وإنما تُبنى بشعب يؤمن بأن نهضة وطنه مسؤولية مشتركة.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، وحان الوقت لأن تتحول طاقات أبنائها إلى البناء بدل الهدم، وإلى العمل بدل الخصومة، وإلى التنافس في خدمة الوطن بدل التنافس في تعميق الخلاف.

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما المطلوب أن نجتمع على الثوابت الكبرى: وحدة الوطن، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والعمل بإخلاص من أجل مستقبل أفضل.

إن النقد المسؤول ضرورة، كما أن الدعم الصادق لكل خطوة صحيحة ضرورة أيضاً. فالوطن لا ينهض بالمصفقين، كما لا ينهض بالمثبطين، وإنما ينهض بالمخلصين الذين ينصحون إذا أخطأ المسؤول، ويشجعونه إذا أحسن، ويجعلون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

كلمة أخيرة…
إن تشكيل مجلس الشعب ليس نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة جديدة، ونجاح هذه المرحلة مرهون بإخلاص القائمين عليها، وبقدرتهم على تحويل الآمال إلى واقع، والقوانين إلى عدالة، والمؤسسات إلى أدوات تخدم الإنسان والوطن.

نسأل الله أن يحفظ سوريا، وأن يجمع قلوب أبنائها على الخير، وأن يوفق كل من تحمل مسؤولية فيها إلى أداء الأمانة، وأن يجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، مزدهراً بوحدة شعبه، وقوة مؤسساته، وعدالة قوانينه.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

ويبقى العمل الصالح هو الأثر الذي لا يزول، ويظل التاريخ شاهداً على من بنى وطناً ، ومن حمل الأمانة فأداها بإخلاص.