رغم التأكيدات المتكررة من وزارة الطاقة بشأن توافر المشتقات النفطية واستقرار تدفقها إلى محطات الوقود، لا تزال طوابير الازدحام حاضرة في عدد من المناطق، بالتوازي مع توقف بعض المحطات عن العمل.
وتعزو مصادر محلية هذه الاختناقات إلى أزمة سيولة بالعملة المحلية لدى بعض أصحاب المحطات، بعد تغيّر آليات التسعير وارتباطها بالدولار، فيما ساهم قرار خفض أسعار المحروقات مؤخراً في زيادة الطلب واتساع الازدحام.
من جانبه، يقدم الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور عبد الله فارس، قراءة مغايرة للمشهد تشخص عمق المشكلة الهيكلية؛ إذ يرى أن أصحاب محطات الوقود لم يعتادوا بعد على آلية التسعير الجديدة للمشتقات النفطية، والتي تربط الأسعار محلياً بحركة الأسواق العالمية صعوداً وهبوطاً.

ويوضح فارس أن هذا النظام الجديد ألغى مفهوم “الربح المضمون” الذي كان سائداً في السابق، وحوّل أصحاب المحطات إلى شركاء مباشرين في تحمل مخاطر تقلبات الأسعار، ففي حال ارتفعت الأسعار عالمياً، يحقق هؤلاء أرباحاً إضافية ناتجة عن إعادة تقييم مخزونهم، أما في حال انخفضت الأسعار -كما حدث مؤخراً- فإنهم يتكبدون خسائر مباشرة نتيجة تراجع قيمة الكميات المخزنة لديهم.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه في ظل غياب أدوات تحوط تحدّ من هذه المخاطر، فضّل قطاع واسع من أصحاب المحطات الامتناع عن طلب مخصصاتهم، تريثاً لحين استقرار الأسعار أو تجنباً لتجرع خسائر إضافية، وهذا السلوك، وإن كان مبرراً من الناحية التجارية البحتة، إلا أنه انعكس سلباً على انسيابية التوزيع وتوافر المادة في الأسواق.
هندسة رقمية ترفع المخاطر
بناءً على هذا التشخيص، يؤكد فارس أن المطلوب اليوم ليس إلغاء آلية التسعير الجديدة، بل “تطويرها” عبر تدخل حكومي يضمن كفاءة السوق واستقرار الإمدادات وحماية أطراف سلسلة التوزيع.
ويطرح فارس حلاً تقنياً يتمثل في إطلاق نظام “ربط إلكتروني شامل” يربط كافة محطات الوقود بشركة “سادكوب” بشكل مباشر، وهذا النظام يتيح تتبعاً لحظياً للكميات الموردة والمبيعة، ويفرض إفصاحاً شفافاً عن حجم المخزون لدى كل كازية.
وبموجب هذه الآلية المقترحة، تنتقل مسؤولية “الربح والخسارة” الناتجة عن تعديل الأسعار إلى الدولة بدلاً من تحميلها لصاحب المحطة، ما يحفز أصحاب المحطات على استمرار طلب مخصصاتهم دون خوف من تقلبات الأسعار، وينهي بالتالي اختناقات التوزيع في الشارع.








