أكد الكاتب والباحث الإعلامي منذر الأسعد أن انعقاد الجلسة الأولى لأول مجلس شعب بعد التحرير، يؤسس لمرحلة دستورية وتشريعية جديدة، بعدما اكتملت أركان السلطات العامة، ولا سيما مع استعادة مؤسسات الدولة في معظم أراضي البلاد، ما يمنح المؤسسة التشريعية شرعية وطنية أوسع ويضعها أمام مسؤولية قيادة مرحلة بناء الدولة الحديثة.
ورأى الأسعد أن خصوصية هذا المجلس تنبع من كونه مجلساً تأسيسياً أكثر منه مجلساً تشريعياً تقليدياً، لأن وظيفته لا تقتصر على إصدار القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية، وإنما تمتد إلى إعادة صياغة البيئة القانونية التي ستقوم عليها الدولة السورية الجديدة، وصولاً إلى المساهمة في إعداد الدستور الدائم، وهو ما يجعل قراراته وتشريعاته ذات أثر يتجاوز المرحلة الانتقالية إلى مستقبل الدولة لعقود مقبلة.
وأوضح الكاتب أن التجارب المقارنة في الدول الخارجة من النزاعات تثبت أن نجاح التحول السياسي يبدأ بإصلاح المنظومة القانونية قبل أي تحول اقتصادي أو سياسي، لأن التشريعات هي التي تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وتؤسس لاستقلال القضاء وتحمي الحقوق وتحدد صلاحيات المؤسسات، وتخلق بيئة مستقرة لإدارة الحياة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن المجلس أمام مهمة إعادة بناء المنظومة التشريعية بما ينسجم مع متطلبات سوريا ما بعد الثورة، بعدما كرست قوانين كثيرة في العهد البائد الاستثناءات الأمنية، وهيمنة السلطة، وتغليب مصالح ضيقة على حساب المصلحة الوطنية.
واعتبر الأسعد أن أحد أهم الاختبارات أمام المجلس يتمثل في قدرته على إنتاج تشريعات اقتصادية حديثة، لأن التعافي الاقتصادي لا يتحقق عبر السياسات التنفيذية وحدها، بل يحتاج إلى قوانين تمنح المستثمرين الثقة، وتحمي الملكية وتوفر ضمانات واضحة للاستثمار وتواكب متطلبات الاقتصاد المعاصر.
وأشار الأسعد إلى أن إعادة الإعمار وجذب رؤوس الأموال وعودة الكفاءات السورية، جميعها ملفات تبدأ من التشريع قبل أن تتحول إلى مشاريع على الأرض.
وأوضح الكاتب أن المجلس مطالب كذلك بتهيئة البيئة القانونية لحياة سياسية مستقرة، عبر سن قوانين تنظم العمل السياسي والمشاركة العامة في إطار يحفظ وحدة الدولة ويمنع إعادة إنتاج الانقسامات، مؤكداً أن وجود معارضة وطنية ونقد مسؤول يمثلان ضرورة لأي نظام ديمقراطي، لكن نجاحهما يبقى مرهوناً بوجود قواعد دستورية وقانونية راسخة، لا بحالة من الاستقطاب أو الفوضى السياسية.
وشدد الأسعد على أن نجاح مجلس الشعب لن يقاس بعدد جلساته أو القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على تحويل احتياجات السوريين إلى تشريعات تعالج آثار الحرب، وتخفف الأعباء الاقتصادية، وتعزز العدالة الاجتماعية، وتدعم مسار التنمية.
كما أن المجلس، وفق الكاتب، مطالب بتكريس ثقافة جديدة في العمل العام، قوامها أن المنصب النيابي مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا وسيلة للوجاهة أو تحقيق المكاسب.
وخلص الأسعد إلى أن السوريين ينظرون إلى هذا المجلس بوصفه نقطة انطلاق نحو الدولة التي ناضلوا من أجلها، دولة القانون والمؤسسات، وإذا نجح في إنجاز مهمته التأسيسية، وإقرار التشريعات التي تواكب الدستور الدائم، ودعم التعافي الاقتصادي وعزز ثقة المواطن والمستثمر بمؤسسات الدولة، فإنه لن يكون مجرد أول مجلس شعب بعد التحرير، بل المجلس الذي وضع الأساس القانوني والسياسي لسوريا الجديدة.




