محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تبدأ جلستها السادسة من محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري

مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

د.محمد ياسين صبيح لـ”الوطن”: القصة القصيرة ظُلمت أمام الرواية.. والسخرية في الأدب ليست تهكماً عابراً

‫شارك على:‬
20

يكتب الشعر والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ويغوص في أصولها وفروعها وتطوراتها، ليقدّم للقارئ دراسات وأبحاثاً تُغني المكتبة السورية والعربية عموماً، لذا نجده في مجموعته القصصية “ثقب في الريح” يأخذ دور الراوي الذي يتحدث عن القارئ وكأنه ذاته، يوضّح الدكتور محمد ياسين صبيح: “اخترتُ هذا الأسلوب لأنه يتيح للقصة أن تتخذ هيئة مخاطبة حيّة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، فتبدو وكأنها تُقال للقارئ من موقع القرب لا من موقع الحكي المجرد، فحين يُستبدل ضمير الأنا المباشر بصيغة تُحاكي القارئ وتستدعيه، يصبح النص أكثر حميمية، وأكثر قدرة على إشراك المتلقي في التجربة الشعورية والفكرية، وكأن القصة لا تُروى عنه بل له، كما أن هذا المنظور يوسّع دائرة التأويل، ويمنح الحدث بعداً إنسانياً عاماً، لأن ما يعيشه السارد يمكن أن يلمسه القارئ بوصفه تجربة مشتركة لا سيرة فردية مغلقة، وقد بدا لي أن هذا الخيار أصلح لخلق تفاعل نفسي أعمق، ولإبقاء مسافة فنية تسمح بالغموض والتأمل معاً، بدل الاكتفاء بصوت ذاتي مباشر”.

يُنهي د.صبيح معظم قصصه بشكل مفاجئ وأقرب إلى السّخرية كقصتي “خبر أكيد” و”ذاكرة خمس نجوم”، وبسؤاله عمّا يُكتب اليوم تحت باب “الأدب السّاخر”، يجيب: “ينبغي ألا تُفهم السخرية في الأدب الساخر بوصفها تهكماً عابراً أو ضحكاً مجانياً، بل بوصفها أداة فنية دقيقة تكشف التناقضات وتعرّي المفارقات المؤلمة في الواقع، وحين تُستخدم بإتقان، تصبح السخرية وسيلةً شديدة التأثير لأنها تقول ما لا يمكن قوله مباشرة، وتحوّل الألم إلى معنى، والمرارة إلى وعي نقدي، لكن الكثير مما يُكتب اليوم تحت هذا الباب لا يبلغ هذا العمق، إذ يكتفي بالمباشرة أو بالنكتة السطحية، لذلك نرى كثيراً من الكتّاب يبتعدون عن الخوض فيها خشية الوقوع في التهريج أو فقدان التوازن بين الضحك والدلالة، أما السخرية الحقيقية فهي وعيٌ جماليٌّ مؤلم، يبتسم كي يفضح، ويؤلم كي يوقظ”.

“طابور للغرق” عنوان قصة يتناول فيها د. صبيح معاناة المواطنين للحصول على رغيف الخبز وتنتهي بموت بطلها “شريف” بطريقة غريبة أقل ما يمكن قوله “شرّ البلية ما يضحك”، ليؤكد أن “القصة القصيرة ظُلمت كثيراً أمام الرواية من حيث الانتشار والتلقي، لا من حيث القيمة الفنية أو القدرة على تمثيل الواقع، فالقصة الجيدة، تستطيع أن تكثّف مأساة مجتمع كامل في مشهد واحد، وأن تمنح الواقع بعداً تأويلياً وفكرياً كبيراً حين تُصاغ بوعي فني مبتكر وصور سردية بديعة، وهذا ما حاولت صياغته في “طابور للغرق”.. إن الألم لا وطن له ولا تاريخ، والظلم يتجذر حيث تستبد السلطة بالقوة، فتتحول الحاجة إلى إذلال، والخبز إلى اختبار للكرامة، والحياة إلى طابور طويل نحو الغرق، وفي هذا السياق، لا تقل القصة القصيرة قدرة عن الرواية في نقل الواقع، لكنها تفعل ذلك عبر الاختزال واللمعان والصدمة، وحين تكون محكمة، قادرة على أن تصيب المعنى في قلبه، كما فعلت هذه القصة التي جعلت موت “شريف” الغريب كمرآة لشر البلية الذي يضحك ويبكي في آن واحد”.

يهتمّ د.صبيح بالأرقام والزّمن ويذكرهما في عناوينه كثيراً، كـ”شجرة لستة أيام” و”انتظار نصف الوقت”، يوضّح: “الأمر مقصود، فالأرقام والزمن في هذه القصص ليست عناصر تزيينية، بل مفاتيح بنائية وجمالية تحمل وظيفة دلالية ورمزية واضحة، وحين أختار عناوين مثل “مقعد وخمسة أيام” أو “ذاكرة خمس نجوم”، لا أسعى إلى التحديد العددي فحسب، بل إلى شحن العنوان بطاقة إيحائية تربط بين التجربة الإنسانية وإيقاع الزمن، وبين الواقع المحسوس وما يتجاوز ظاهره إلى المعنى الأعمق، فالأرقام هنا ليست معادلات جامدة، بل شفرات سردية تفتح باب التأويل وتدفع المتلقي إلى البحث عمّا وراءها، أما الزمن، فلا يمثل خلفية للأحداث فقط، إنما يمثل الركيزة التي تنظم حركة القصة وتمنحها توترها وعمقها، وأحياناً يأتي الزمن ضاغطاً، وأحياناً متشظياً، وأحياناً نفسياً أكثر منه تاريخياً، لأن ما يهمني هو كيف تعيش الشخصية الوقت، لا كيف يُقاس فقط، ومن هنا تصبح الدقيقة، واليوم، والخمسة أيام، والستون ثانية، وحدات سردية تكشف القلق، والانتظار، والخذلان، والتحول.. وفي هذا الإطار، حين تُحسن القصة القصيرة استخدام الرقم والزمن، لا تقل قيمة عن الرواية، بل قد تتفوق في قدرتها على التكثيف والتأويل، فالقصة الجيدة تستطيع أن تمنح القارئ مساحة واسعة من الدلالة على الرغم من صغر مساحتها، لأن كل رقم فيها، وكل لحظة زمنية، ويمكن أن تتحول إلى علامة ومعادل فكري وجمالي داخل النص، لذلك فإن حضورهما في عناوين قصصي هو اختيار فني واعٍ، يهدف إلى بناء سرد أكثر كثافة، وأكثر إحساساً، وأكثر قابلية لفتح المعنى لا إغلاقه”.

اشترك د.صبيح في العديد من لجان التحكيم للقصة القصيرة جداً بمختلف الدول العربية، وهي تجربة يصفها بالقول: “كانت غنية ومفيدة على المستويين النقدي والإنساني، فالاحتكاك بنصوص متعددة من بلدان عربية مختلفة يتيح للناقد أن يرى اتساع التجربة السردية، وتنوع الرؤى، واختلاف طرائق الكتابة، وهو ما يجعل التقييم أكثر عمقاً واتزاناً، وأرى عموماً أن الجوائز تنصف النصوص إلى حد كبير، وإن كانت بعض الحالات قد تفلت فيها الرؤية النقدية من أحد المحكمين، لا بسبب سوء النية، بل بسبب تباين الذائقة، أو كثافة المشاركات، أو الفروق الدقيقة بين النصوص المتقاربة في الجودة”.

وأسس ونظّم د. محمد ياسين صبيح “جائزة دمشق للقصة القصيرة جداً”، يحدثنا: “هي اليوم بدورتها الخامسة، وشكّلت محطة مهمة جداً في المشهد الأدبي العربي، لأنها تُعد أول المسابقات العربية التي اهتمت بالمجموعات القصصية القصيرة جداً، لا بالنصوص المفردة فحسب، وهذا بحد ذاته أسهم في ترسيخ حضور هذا الفن وإبراز قيمته الجمالية والتأويلية”، وبسؤاله عمّا إذا كانت الجوائز تقييم عادل للنص الأدبي، وعمّا إذا شعر بالندم على حكم أطلقه على إحدى القصص المشاركة في المسابقة، يجيب: “أؤكد أنني لم أندم يوماً على أي تقييم وضعته في أي مسابقة شاركت في تحكيمها، لأنني كنت دائماً متصالحاً مع خياراتي النقدية، ومؤمناً بأن الحكم الأدبي الجاد يجب أن يستند إلى رؤية واضحة، ومعايير واعية، واحترام حقيقي للنص ولصاحبه، حتى وإن اختلفت معه بعض القراءات الأخرى”.

الوطن ـ نجوى صليبه