رحبت الحكومة السورية بالتقييم الإيجابي الذي أصدره صندوق النقد الدولي بشأن مسار الاقتصاد السوري، معتبرة أن البيان يمثل رسالة تعزز الثقة بالإصلاحات الاقتصادية التي تعمل عليها لاستعادة الاستقرار ودعم التعافي.
وقال وزير المالية محمد يسر برنية، عبر صفحته على فيسبوك، إن الحكومة ترحب بتقييم صندوق النقد الدولي الإيجابي بشأن استمرار زخم التعافي الاقتصادي وتحسن النمو وأداء المالية العامة في سوريا، مؤكداً أن بيان الصندوق يمثل رسالة مهمة تعزز الثقة بالإصلاحات الهادفة إلى استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، وترسيخ سياسات مالية رشيدة، وتوفير بيئة مواتية لنمو القطاع الخاص وجذب الاستثمارات، مضيفاً: مستمرون في التفاؤل.
وجاء منشور وزير المالية عقب اختتام بعثة من خبراء صندوق النقد الدولي زيارتها إلى دمشق، حيث أكد الصندوق استمرار تعافي الاقتصاد السوري، مشيداً بالتقدم المحرز في مجالات المالية العامة والسياسة النقدية، وبالإجراءات المتخذة لتعزيز إدارة المال العام وتطوير المؤسسات الاقتصادية.

إلا أن قراءة هذا البيان، بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم في تصريح لـ«الوطن»، تحتاج أولاً إلى وضعه في إطاره الصحيح، لأن الخلط بين طبيعة الوثيقة وما تعنيه يمثل مصدراً كثيراً من سوء الفهم.
وأوضح عبد الكريم أن ما صدر عن صندوق النقد الدولي ليس برنامج تمويل ولا اتفاق قرض ولا تقرير مشاورات المادة الرابعة، وإنما بيان صادر عن بعثة خبراء، ينص الصندوق فيه صراحة على أنه لا يمثل بالضرورة رأي مجلسه التنفيذي، ولن يترتب عليه نقاش داخل المجلس.
وأشار إلى أن مشاورات المادة الرابعة هي المراجعة الدورية الإلزامية لاقتصاد كل دولة عضو في الصندوق، وبعد اعتمادها من المجلس التنفيذي تصبح وثيقة مرجعية دولية، لافتاً إلى أن آخر مشاورات من هذا النوع مع سوريا كانت عام 2009، ما يعني وجود فجوة رقابية تقارب ستة عشر عاماً.
وبحسب عبد الكريم، فإن موقع سوريا حالياً يقع ضمن المرحلتين الأولى والثانية من مسار التعاون مع صندوق النقد، بدءاً من زيارات الخبراء، ثم المساعدة الفنية، بينما تبقى المرحلتان الأعلى، وهما استئناف مشاورات المادة الرابعة وبرنامج التمويل، خارج الإطار الحالي.
من خطاب الطوارئ إلى مؤشرات التعافي
ويرى عبد الكريم أن أهمية البيان الأخير لا تكمن فقط في مضمونه، بل في تطور لغة صندوق النقد تجاه سوريا خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن بيان حزيران 2025 كان أقرب إلى خطاب طوارئ، إذ تحدث عن حاجة سوريا إلى تمويل بشروط شديدة التيسير، تشمل فائدة قريبة من الصفر وفترة سماح طويلة، وهي لغة ترتبط عادة بالدول التي لا تستطيع تحمل ديون تجارية.
وأضاف أن بيان تشرين الثاني 2025 تحدث عن بوادر تعافٍ اقتصادي، بينما أشار بيان شباط 2026 إلى تسارع النشاط الاقتصادي، في حين حمل بيان آب 2026 أربع إشارات جديدة، تتمثل في تقديم أول رقم صريح للنمو الاقتصادي، والاعتراف بارتفاع التضخم، وتقديم توصيف أكثر حدة لوضع القطاع المصرفي، إضافة إلى ذكر القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
نمو يتجاوز 10 بالمئة
ويعد توقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد السوري بأكثر من 10 بالمئة خلال عام 2026، مع استمرار قوة النمو خلال عام 2027، أبرز ما ورد في البيان، إذ ربط الصندوق هذا التحسن بتعافي الزراعة نتيجة تحسن الأمطار، وتوسع إنتاج النفط والغاز، وتحسن الكهرباء، ونمو التجارة والخدمات، وعودة نحو مليون ونصف مليون لاجئ، وزيادة أعداد الزوار، إضافة إلى الإنفاق الحكومي.
لكن عبد الكريم يشدد على ضرورة التمييز بين نوعين من النمو، الأول نمو ارتدادي يقوم على استعادة طاقة إنتاجية كانت معطلة، والثاني نمو تراكمي يقوم على خلق طاقات إنتاجية جديدة من خلال الاستثمار.
ويرى أن ما يصفه صندوق النقد في بيانه هو نمو ارتدادي بالدرجة الأولى، مستنداً إلى أن البيان نفسه أشار إلى أن الجفاف الشديد الذي ضرب القطاع الزراعي خلال عام 2025 جعل القفزة المتوقعة في عام 2026 مبنية على قاعدة منخفضة.
ويشرح عبد الكريم أن الاقتصاد قد يسجل نسب نمو مرتفعة عندما يبدأ بالتعافي من قاع منخفض، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة الاقتصاد إلى قوته السابقة.
ولشرح حجم الفجوة، يشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسورية يقدر بنحو 21 مليار دولار بعد انكماش تراكمي يقارب 54 بالمئة منذ عام 2011، في حين تقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي تقريباً.
وبالتالي، فإن نمو الاقتصاد بنسبة 10 بالمئة يعني إضافة نحو ملياري دولار فقط، وهو أقل من 1 بالمئة من فاتورة إعادة الإعمار، ما يفسر إشارة صندوق النقد إلى أن الفقر ما زال واسع الانتشار وأن التعافي متفاوت بين المناطق.
ويعتبر عبد الكريم أن هذه النقطة جوهرية، لأنها تعني أن الاقتصاد قد ينمو بأرقام مرتفعة، لكن أثر ذلك على حياة المواطنين قد يبقى محدوداً ما لم يتحول النمو من مجرد استعادة للنشاط إلى توسع إنتاجي مستدام.
التضخم… أول اختبار لمسار التعافي
ويشير عبد الكريم إلى أن التحول الأبرز في بيان صندوق النقد يتعلق بملف التضخم، إذ إن البيان الأخير يقر بارتفاع التضخم بصورة كبيرة خلال عام 2026، بعدما كان بيان شباط الماضي يتحدث عن تباطؤ التضخم إلى مستويات منخفضة من خانتين، ضمن نطاق يقارب 10 إلى 15بالمئة.
ويعتبر أن هذا الاعتراف يمثل أول انتكاسة يعترف بها الصندوق في مسار التعافي، إلا أن أسبابها تختلف عن التضخم الذي عرفته سوريا خلال سنوات الحرب.
فالسبب الأول يتمثل بارتفاع أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والغذاء، نتيجة الصراع الإقليمي، وهو تضخم مستورد خارج السيطرة المباشرة للسياسة الاقتصادية المحلية.
ويربط عبد الكريم ذلك بتوقعات صندوق النقد لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، والتي أشارت إلى تأثيرات استمرار اضطرابات التجارة والطاقة، موضحاً أن جزءاً من ارتفاع الأسعار في سوريا يرتبط بعوامل إقليمية لا تملك دمشق التحكم بها.
أما السبب الثاني، فهو تحسن الطلب المحلي، بما في ذلك زيادات أجور القطاع العام، لافتاً إلى أن الصندوق أشار إلى أنها جاءت بعد سنوات من انخفاض شديد في مستويات الأجور وتحسن محدود في القدرة المعيشية.
ويعتبر عبد الكريم أن هذه الملاحظة منطقية، لأن تثبيت الأجور في اقتصاد فقد معظم قوته الشرائية لا يمكن أن يشكل سياسة قابلة للاستمرار.
أما العامل الثالث فهو رفع أسعار الخدمات العامة ضمن إصلاحات تهدف إلى تغطية الكلفة والحد من الأعباء شبه المالية، موضحاً أن نقل هذه الكلف إلى الأسعار يمثل تضخماً إدارياً مقصوداً وليس انفلاتاً نقدياً.
في حين يتمثل العامل الرابع بارتفاع تكاليف السكن، الذي يصفه عبد الكريم بأنه الأخطر اجتماعياً، لأنه يؤثر مباشرة في قدرة العائدين إلى سورية على الاستقرار.
ويؤكد أن توقع صندوق النقد انخفاض التضخم خلال عام 2027 يبقى مرتبطاً بانحسار ضغوط الواردات، وهو عامل يرتبط بالظروف الإقليمية والدولية أكثر من ارتباطه بالسياسات المحلية.








