شهد الاقتصاد المحلي خلال الأشهر الماضية متغيرات كان يفترض أن تنعكس إيجاباً على الأسواق، بدءاً من سعر الصرف الذي حافظ على استقراره بعد انخفاضه، وصولاً إلى تراجع أسعار المحروقات، وهي عوامل لطالما اعتبرت المبرر الرئيس لارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع. ومع ذلك، لم يلمس المواطن أي انخفاض حقيقي في أسعار السلع، بل على العكس، واصلت بعض المنتجات الأساسية تسجيل ارتفاعات جديدة، وكأن كل المؤشرات الإيجابية تتوقف عند أبواب الأسواق ولا تجد طريقها إلى الأسعار.
احد الأمثلة على ذلك ما يجري في سوق الدواجن، حيث قفزت أسعار الفروج وأجزائه إلى مستويات مرتفعة، وسط تفسيرات متعددة، من ارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع الإنتاج، مروراً بما يثار حول ارتفاع هوامش أرباح بعض الحلقات الوسيطة والمسالخ، وصولاً إلى هوامش الربح المرتفعة لدى بعض المطاعم.
بغض النظر عن صحة كل مبرر من هذه المبررات، فإن النتيجة واحدة: المواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة!

المشكلة لا تتعلق بسلعة واحدة، بل بآلية إدارة السوق، فقد اتخذت الحكومة في وقت سابق قراراً بوقف استيراد الدواجن وعدد من المنتجات الأخرى استجابة لمطالب المربين والصناعيين، بهدف حماية الإنتاج الوطني وتمكينه من التعافي، مقابل تعهدات واضحة بتوفير احتياجات السوق بكميات كافية وأسعار معقولة.
هذا التوجه كان منطقياً، لأن أي دولة تسعى إلى دعم إنتاجها المحلي وتعزيز قدرته على المنافسة.
لكن حماية المنتج الوطني ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق غاية أكبر، وهي تأمين احتياجات المواطنين بأسعار عادلة، فإذا كانت الحماية تنتهي بارتفاع الأسعار واختفاء المنافسة وتحميل المستهلك وحده كلفة القرار، فإنها تتحول من أداة لدعم الاقتصاد إلى عبء على المجتمع.
وكما التزمت الحكومة بحماية المربي والصناعي، فإن من حق المواطن عليها أن تضمن تنفيذ التعهدات التي بني عليها قرار وقف الاستيراد، فإذا لم تتحقق الوفرة الموعودة، ولم تستقر الأسعار ضمن مستويات منطقية، فإن استمرار القيود على الاستيراد يفقد مبرراته الاقتصادية، ويصبح من الطبيعي إعادة فتح باب الاستيراد بصورة مدروسة لكل منتج يشهد اختلالاً واضحاً في الأسعار أو نقصاً في المعروض، حتى يستعيد السوق توازنه وتعود المنافسة إلى أداء دورها الطبيعي، وذلك وحده لا يكفي فالسوق تحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية على الحلقات الوسيطة، ومراجعة هوامش الأرباح في السلع الأساسية، ومحاسبة كل من يحقق أرباحاً مبالغاً فيها على حساب المواطنين.
كما أن إيجاد حل وبدائل للوسطاء بين المنتج والمستهلك أصبح ضرورة، وتشجيع البيع المباشر عبر منافذ المنتجين أو المؤسسات الحكومية، من شأنه أن يخفض الأسعار ويحد من الممارسات الاحتكارية التي تستنزف القدرة الشرائية.
إن اقتصاد السوق لا يعني ترك الأسواق تعمل من دون ضوابط، بل يعني وجود منافسة حقيقية تمنع الاحتكار، ورقابة تضمن العدالة، ودولة تتدخل عندما يختل التوازن بين مصالح المنتج والمستهلك.
وفي الحالة السورية، حيث لا تزال مستويات الدخل متدنية والقدرة الشرائية ضعيفة، تصبح مسؤولية الدولة أكبر، لأن السوق لا تستطيع وحدها تصحيح اختلالاته.
نحن مع حماية المنتج الوطني، بل نعتبرها ضرورة اقتصادية واستراتيجية، لكن هذه الحماية يجب أن تنعكس أولاً على المواطن فالمنتج الوطني الذي لا يوفر سلعة جيدة بسعر عادل، ولا يخفف الأعباء عن المستهلك، يفقد أحد أهم مبررات دعمه.
وفي النهاية نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس بالقرارات وانما بقدرة الأسرة على شراء احتياجاتها الأساسية دون أن تتحول كل وجبة إلى معركة جديدة مع الغلاء فحماية المنتج لا تكتمل إلا عندما تنتهي بحماية المستهلك، لا بزيادة الأعباء عليه.





