المزيد

‫آخر الأخبار:‬

دبلوماسية الهند المتمحورة حول المواطن

‫شارك على:‬
20

(مقالة مترجمة إلى اللغة العربية، بقلم السفيرالهندي المتقاعد جيتندرا كومار تريباثي)

كانت تعتبر الدبلوماسية بشكلها التقليدي فيما مضى على أنها إدارة للعلاقات الثنائية بين الدول من خلال التركيز على المفاوضات في الدوافع السياسية والاقتصادية والأمنية فقط. إلا أنه، ومع بداية القرن الحالي، بعد أن شهدت الوقائع التي كانت تحصل على الأرض تغييرات هائلة بسبب العولمة والتطور العلمي والتكنولوجي السريع وسهولة التنقل، تحولت الدبلوماسية وتوسع نطاقها لتركز على الأبعاد الجديدة. وبالطبع، لم تتمكن الهند من أن تبقى بمنأى عن هذا التحول، فاعتمدت سياسة خارجية ترافقها دبلوماسية تركز على المواطن في صميمها. واتخذت هذه السياسة رفاهية المواطن الهندي وأمنه ومصلحته جوهرها الأساسي، بما يجعل المواطنين الهنود جزءاً مهماً من نشاطاتها الخارجية، التي أدت بدورها لجعل وزارة الشؤون الخارجية أكثر استجابة لاحتياجاتهم.

 كيف تطورت الدبلوماسية الهندية؟

حتى مطلع القرن الماضي، لم يحظ الهنود الذين يعيشون في الخارج (NRIs) والأشخاص من أصل هندي بأي مكانة في سياسات الحكومة، حيث كانوا يعتبرون أشخاصاً هاجروا من الهند إلى بلدان الخارج سعياً وراء مصلحتهم الفردية دون أي مساهمة في تنمية الهند. ولكن، في بداية القرن الحالي، تم الإدراك بشكل واضح بأن هؤلاء الهنود لا يساهمون فقط في اقتصاد وطنهم عن طريق التحويلات المالية والاستثمارات، ولكن يلعبون دوراً هاماً في حكومات الدول التي يقيمون فيها. يمكن فهم أهمية الجالية الهندية من خلال حقيقة أن أفراد الجالية في الخارج، حيث يبلغ عددهم أكثر من 35.4 مليون نسمة (أكثر من عدد سكان أستراليا ونيوزيلندا مجتمعين)، قد قاموا بتحويل ما يزيد على 135.46 مليار دولار أمريكي في السنة المالية الماضية! وعلاوة على ذلك، تبوأ العديد من الأشخاص من أصل هندي مناصب هامة في المؤسسات الأكاديمية وفي حكوماتهم، الأمر الذي يؤكد أهميتهم في حسابات سياستنا الخارجية. ومع ذلك، بدأت الحكومات الهندية في الآونة الأخيرة في إيلاء المزيد من الاهتمام لهذا الخزان الهائل من المواهب والموارد البشرية الموجودة في الخارج. وقد أعطت جوائز “برافاسي ساميلان” و “برافاسي” السنوية زخماً لتسليط الضوء على الانتشار الواسع للشخصيات البارزة والمرموقة بين أبناء الجالية الهندية في الخارج. وقد اتخذت وزارة الشؤون الخارجية العديد من المبادرات لضمان رفاهية المواطنين الهنود الذين يزورون البلدان الأخرى لأغراض العمل أو التجارة أو الدراسة.

 الخصائص الرئيسية للدبلوماسية حول المواطن

تغطي هذه المبادرات كل الخطوات بدءاً من طلب التقديم على جواز السفر، مروراً بالحصول على التأشيرة، والسفر والإقامة الآمنة، وانتهاءً بالعودة إلى الهند. ونظراً لتزايد عدد الهنود الراغبين في زيارة البلدان في الخارج، افتتحت الحكومة مكاتب جديدة لجوازات السفر، ومراكز للتقديم على جوازات السفر في جميع المقاطعات، واعتمدت النهج الرقمي في هذه العملية، كما أنشأت المزيد من المطارات الدولية لتسهيل السفر الدولي. بالإضافة إلى ذلك، جرى إطلاق برامج PDOT (التوجيه والتدريب قبل المغادرة)، وتم بدء العمل باتفاقية Pravasi Bhartiya Bima Yojna لضمان التأمين الصحي للهنود في الخارج، وتوقيع اتفاقيات شراكة بشأن الهجرة والتنقل مع ثماني دول، إلى جانب توقيع اتفاقيات للتأمين الاجتماعي مع تسع عشرة دولة لضمان بيئة عمل مناسبة للعمال الهنود، كما تم إطلاق تطبيق إلكتروني للهجرة لتثقيف المواطنين حول القواعد واللوائح المحددة لهذا الشأن. وفي هذا السياق، تعمل بوابة مدد (MADAD) الإلكترونية، وهي بوابة مساعدة متعددة اللغات، على مدار الساعة لمساعدة المواطنين الهنود الذين هم بحاجة إلى المساعدة، حيث يقوم الموقع بدراسة تأشيرات العمل، وحالة صاحب العمل، والغطاء التأميني الذي يقدمه للعامل المحتمل. وأحدثت الحكومة أيضاً المزيد من السفارات والقنصليات لتلبية احتياجات المواطنين الهنود في الخارج، وقد أنشئ ضمنها جناحاً خاصاً بالمجتمعات الهندية، بشكل منفصل عن الجناح القنصلي، لضمان رعاية الهنود الذين يعيشون ضمن النطاق الجغرافي التابع لتلك السفارات والقنصليات. استُحدث صندوق رعاية الجالية الهندية في جميع بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج لمساعدة مواطنينا في حالات الطوارئ من خلال تأمين الملاجئ المؤقتة وتقديم المساعدة القانونية وتذاكر الطيران إلى الهنود المعوزين أو العالقين. إلى جانب ذلك، يتم تنظيم جلسات مفتوحة في السفارات الهندية على نحو منتظم للاستماع إلى مظالم أفراد الجالية الهندية ومعالجتها. وعلاوة على ذلك، أجرت الحكومة عدداً من عمليات الإنقاذ الناجحة للمواطنين الهنود الذين تقطعت بهم السبل في المناطق والبلدان التي تأثرت بالعنف، والتي شملت مؤخراً أوكرانيا وجنوب السودان واليمن.

التحديات القائمة:

تواجه الدبلوماسية التي تركّز على المواطن تحدّياتها الخاصة. إذ فرض العدد المتزايد من الهنود الذين يزورون خارج البلاد لأغراض مختلفة ضغطاً شديداً على بعثاتنا التي تعاني بالفعل نقصاً في الكوادر وأزمة في الموارد.

كما يمثّل تقديم المساعدة لأفراد الجالية المقيمين في البلدان التي تشهد حروباً تحدّياً، نظراً إلى الحالة غير المستقرة فيها.

وتتفاقم التحدّيات إثر نشر المعلومات الخاطئة من قبل مروّجي الأخبار المزيّفة وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وبسبب اختلاف الأنظمة القانونية المحلية.

 الحلول

يمكن أن يؤدي تخصيص عدد كافٍ من الموظّفين والأموال لبعثاتنا إلى الخارج، وتزويد الموظفين بالتدريب المناسب قبل تعيينهم، إلى التخفيف من حدّة التحدّيات.

وينبغي إقامة جلسات توجيهية قبل المغادرة وجعلها إلزامية لكل هندي يسافر إلى الخارج للعمل أو الدراسة، كما يعدّ فرض قيود على الجهات المروّجة للأخبار المضللة ضرورة ملحة.

الخلاصة

من المشجّع أن نرى أهمية المواطن في دبلوماسيتنا قد أُدركت أخيراً، وأن الحكومة تعالج قضاياهم بمسار موضوعي وإيجابي.

ومع تخصيص المزيد من الموارد واتخاذ إجراءات صارمة ضد مروّجي الأخبار المضلّلة، فإن دبلوماسيتنا التي تركّز على المواطنين ستؤتي ثماراً أكبر بالتأكيد.