لم يصدر الحكم بحق عاطف نجيب خارج إطار قضائي استثنائي أو بقرار سياسي، بل جاء نتيجة مسار أمام محكمة جنايات مدنية مختصة، استند إلى التحقيقات والأدلة والشهادات، وأتيح خلاله للدفاع ممارسة دوره، وللضحايا وذويهم وممثليهم حضور الإجراءات، في قضية تتصل بجرائم جسيمة ارتكبت خلال عهد النظام البائد.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من أن الإعلان الدستوري الذي ينص في المادة 43 على استقلال السلطة القضائية وخضوع القضاة للقانون، ويحظر في المادة 44 إنشاء المحاكم الاستثنائية، كما أخرج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من نطاق مبدأ عدم رجعية القوانين، بما يتيح للقضاء التعامل معها ضمن الإطار القانوني الذي أقرته الدولة.
وبالتالي، فإن تقييم الحكم يقتضي التمييز بين سلامة المسار القضائي من جهة، وطبيعة العقوبة التي انتهت إليها المحكمة من جهة أخرى، وهو تمييز يكتسب أهمية خاصة عند قراءة المواقف الحقوقية الدولية التي أعقبت صدور الأحكام.

وفي هذا الإطار، فإن قراءة موقف “العفو الدولية” باعتباره رفضاً لمحاكمة عاطف نجيب أو اعتراضاً على مبدأ المساءلة ستكون غير دقيقة، فالمنظمة نفسها اعتبرت ملاحقة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات خطوة مهمة نحو العدالة وكشف الحقيقة وجبر الضرر، لكنها تريد أن تتم هذه المساءلة من دون اللجوء إلى الإعدام، وضمن تصورها الخاص للعدالة الانتقالية.
وفي هذا السياق، أقرت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في تموز 2026 بأن توقيف ومحاكمة المشتبه في ارتكابهم الجرائم الجسيمة في سوريا يمثلان خطوة إلى الأمام، مع بقاء اعتراضها على استمرار عقوبة الإعدام.
وفي المقابل، فإن الوقائع المنشورة عن سير المحاكمة توفر الأساس الذي يستند إليه القضاء السوري في تأكيد استقلال إجراءاته؛ حيث أكدت وزارة العدل أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة وعلى أيدي قضاة مؤهلين، مع كفالة حقوق الدفاع وسبل الطعن والاعتراض، والاستناد إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، بينما أوضح المحامي العام بدمشق القاضي حسام خطاب أن جلسات المحاكمة أتاحت حضور ممثلي المنظمات الحقوقية والإعلام وذوي الضحايا والمراقبين، وأن المحكمة اعتمدت على الأدلة المادية والشهادات والوقائع الموثقة.
ولم تكن هذه القراءة السورية وحدها لمسار المحاسبة، ففي 15 أيار 2026، رحبت بريطانيا أمام مجلس الأمن ببدء الإجراءات القانونية بحق شخصيات من النظام البائد، وقالت إن الجرائم المنسوبة إليهم كانت فظيعة وإن محاكماتهم تمثل “خطوة قوية نحو المساءلة والعدالة”، مؤكدة دعمها جهود الحكومة السورية في ترسيخ سيادة القانون.
وفي أيار أيضاً، حضر نائب المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني إحدى جلسات محاكمة عاطف نجيب ومتّهمين آخرين، وقالت الأمم المتحدة إن الزيارة جاءت في إطار تأكيد أهمية المساءلة والإجراءات القانونية الواجبة، والتقى خلالها محامين وناجين وأسر ضحايا.
وفي جلسة مجلس الأمن في 22 حزيران، وصف المبعوث الأممي محاكمة عاطف نجيب بأنها فرصة لإظهار التزام سوريا بالمساءلة والإجراءات القانونية الواجبة.
وفي 21 تموز، ذهب الاتحاد الأوروبي خطوة أبعد في توصيف أهمية المسار، معلناً أن بدء المحاكمات في سوريا يمثل “خطوة كبيرة”، مؤكداً ضرورة محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وتحقيق العدالة للضحايا والناجين، مع التشديد في الوقت نفسه على احترام القانون الدولي وحقوق الضحايا.
بدوره، وصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني الأحكام بأنها خطوة قانونية مهمة تنقل المساءلة عن الجرائم الجسيمة من إطار المطالب السياسية والأخلاقية إلى إطار قضائي وطني، في حين أكد خبراء قانونيون آخرون أن تطبيق قواعد أصول المحاكمات، وتمكين الدفاع من تقديم دفوعه ومناقشة الأدلة والشهود، يشكل أساساً لسلامة المسار القضائي.
وتعزز هذه الصورة إفادات قانونيين تابعوا المسار القضائي؛ إذ رأى المحامي خالد بكر، في تصريح لـ”الوطن”، أن المحاكمة تؤسس لمرحلة تقوم على استقلال القضاء وسيادة القانون بعيداً عن الانتقام، مشيراً إلى أن الحكم اعتمد ثلاثة أنماط من المسؤولية الجنائية، تتمثل في المسؤولية الجنائية الفردية، والمسؤولية الجنائية المشتركة أو المشروع الإجرامي المشترك، ومسؤولية القادة.
وأوضح بكر أن المحكمة استندت في توصيف الأفعال الجرمية إلى مبادئ القانون الجنائي الدولي ونظام روما الأساسي، ولا سيما في توصيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع توسيع القاعدة الجرمية، بما يسهم في ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
ودعا إلى ضرورة عدم الخلط بين مشروعية المحاسبة وإجراءات المحاكمة من جهة، والخلاف حول عقوبة الإعدام من جهة أخرى، مبيناً أن اعتراض منظمة العفو الدولية الذي صدر بعد الحكم لا يرفض في جوهره، مبدأ محاسبة المسؤولين عن الجرائم؛ بل يركز على العقوبة نفسها، انسجاماً مع موقف معروف لمنظمات حقوقية ودول ألغت الإعدام من تشريعاتها.
وأشار المحامي بكر إلى أن النظم القانونية للدول تختلف في تحديد العقوبات ضمن سيادتها القضائية؛ والولايات المتحدة، على سبيل المثال، ما زالت تطبق عقوبة الإعدام وتنفذها بحق المجرمين، في حين ألغتها غالبية الدول الأوروبية، وهذا يعكس اختلافاً في التشريعات والسياسات الجنائية الوطنية المطبقة للدول، لكنها بنفس الوقت تحترم الاتفاقيات الدولية كما لا تتدخل المنظمات الدولية في القرارات القضائية وإنما تبدي رأيها فقط في الأحكام الصادرة.
ولا يمثل هذا الخلاف استثناءً سورياً، فاليابان، وهي دولة ذات نظام قضائي مستقل وثقل سياسي واقتصادي كبير، لا تزال تطبق عقوبة الإعدام، بينما تعارضها منظمة العفو الدولية في جميع الحالات.
وفي حزيران 2025، انتقدت المنظمة تنفيذ حكم الإعدام بحق تاكاهيرو شيرايشي، المدان قضائياً بقتل تسعة أشخاص، وجددت دعوتها إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام في اليابان، ويظهر المثال أن اختلاف منظمة حقوقية دولية مع عقوبة مقررة في النظام القانوني لدولة ذات مؤسسات قضائية مستقلة لا يعني، بحد ذاته، إلغاء اختصاص القضاء الوطني أو اعتبار كل حكم يصدر عنه مسيساً.
وعليه، فإن استقلال القضاء السوري لا يُقاس بمدى تطابق أحكامه مع مواقف المنظمات الدولية، بل بقدرته على الفصل في القضايا وفق القانون، بعيداً عن الانتقام والتسييس، مع احترام حقوق المتهمين والضحايا معاً، أما الاعتراض على عقوبة الإعدام، فيبقى موقفاً حقوقياً معروفاً تتبناه دول ومنظمات، ويبقى محترماً بوصفه موقفاً مشروعاً، من دون أن يعني ذلك التخلي عن حق القضاء السوري في تطبيق القانون الوطني أو عن حق الضحايا في العدالة والمساءلة، وعدم الإفلات من العقاب.
أسرة التحرير








