لسنوات طويلة، لم يكن اسم “الداخلية” في قاموس السوري اليومي سوى مرادف للخوف والترهيب، حيث كان المعتقل رقماً بلا حقوق، والمواطن الذي يُساق إلى فروع الأمن يدخلها “مفقوداً” ويخرج منها، إن خرج، “مولوداً” من جديد بعد أن تنكرت له كل معاني الكرامة الإنسانية، كانت تلك حقبة النظام البائد الذي جعل من الاعتقال التعسفي والتعذيب وانتهاك الحرمات سياسة ممنهجة.
لكن منذ تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024، بدأت ملامح مغايرة تماماً ترتسم في أداء وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي، أبرزها إقرار هذه الجهات بالخطأ حين يقع، وتقديمها الاعتذار العلني لمن طالهم إجراء احترازي لم يثبت لاحقاً.
وأحد أكثر المشاهد دلالةً جاء من القنيطرة، حين قدمت وزارة الداخلية اعتذارها إلى ستة موقوفين وعائلاتهم، بعد أن أظهرت التحقيقات عدم ثبوت تورطهم في نشاط لتنظيم “داعش”، وأن صلتهم بأحد المتورطين اقتصرت على روابط عائلية، ولم تكتف الوزارة بإخلاء مسؤوليتها، بل أقرت بأن التوقيف كان إجراءً احترازياً فرضته معطيات التحقيق الأولية، وقدمت اعتذاراً صريحاً عن فترة التوقيف والإجراءات المرافقة لها، مؤكدة أن حماية حقوق المواطنين وصون كرامتهم جزء أصيل من مسؤوليتها.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في دلالتها السياسية والأمنية قبل مضمونها الإجرائي، فالمؤسسة الأمنية التي تعترف بإمكان الخطأ وتعتذر عنه تضع نفسها، نظرياً وعملياً، تحت سقف القانون، وهذا فارق جوهري عن إرث أمني ارتبط في الذاكرة السورية بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب، وهي ممارسات وثّقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية على نطاق واسع في عهد النظام البائد.
ولا يقتصر هذا النهج على الاعتذار وحده، بل يمتد إلى متابعة إنسانية للحالات الصحية للمتهمين والموقوفين، ففي اللاذقية، بادر معاون قائد الأمن الداخلي للشؤون الشرطية، برفقة رئيس فرع القضايا المسلكية ورئيس فرع الخدمات الطبية في المحافظة، بتفقد الشاب محمد حسام الدين غميرة في المشفى للاطمئنان على وضعه الصحي ومتابعة علاجه من مرض الناعور، مع تكفل الجهات المعنية بتأمين الأدوية النوعية اللازمة لحالته كاملة، فضلاً عن زيارة منزل عائلته تأكيداً على أن التحقيقات تسير في مسارها القانوني.
الصورة ذاتها تكررت على المستوى الميداني، حين تفقّد وزير الداخلية أنس خطاب، برفقة مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون، مصابي الحادث المروري الأليم الذي وقع على طريق دير الزور – دمشق الشهر الماضي، وأودى بحياة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، وذلك خلال زيارتهما مشفيي “ابن الوليد” و”حمص الكبير”، للاطلاع على الحالة الصحية للجرحى من المدنيين وعناصر قوى الأمن الداخلي على حد سواء.
وعلى الطرقات، توثق مشاهد متكررة جهوداً ميدانية لعناصر شرطة المرور وقوى الأمن الداخلي، من ردم الحفر الطارئة لتخفيف الازدحام ومنع الحوادث، إلى دفع المركبات المتعطلة ومساعدة كبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة على عبور الطرق، كل ذلك يقدم، حسب ما تُظهره مقاطع متداولة على مواقع التواصل، كخدمة مجانية للمسافرين والمواطنين.
هذه التفاصيل الصغيرة من الاعتذار وطلب الصفح إلى الزيارة الميدانية والرعاية الصحية، ترسم الصورة الكبرى للدولة السورية الجديدة وأجهزتها الأمنية التي تتعامل مع المواطن كصاحب حق لا كرقم، وتضع حداً فاصلاً بين ما اعتاده السوري لعقود من الترهيب، وما بات يراه اليوم من مشاهد مغايرة: شرطي يساعد مسافراً، ورجل أمن يطمئن على مريض، ووزارة تعتذر لموقوف ثبتت براءته، ومسؤول يتفقد مصابين، ومؤسسة تُقر بأخطائها وتحاسب من ينتهك حقوق الموقوفين.
أسرة التحرير








