يقف قطاع التأمين السوري أمام اختبار حقيقي في مرحلة يفترض أن يكون فيها أحد أدوات الاستقرار المالي والاجتماعي وإعادة الإعمار لكنه يدخل هذه المرحلة بإرث ثقيل من ضعف الانتشار واختلال التشريعات وتراجع الثقة وتآكل القيمة الحقيقية لرؤوس الأموال والتعويضات.
ويضم القطاع 12 شركة تأمين خاصة إلى جانب المؤسسة العامة السورية للتأمين بإجمالي رؤوس أموال تقدر بنحو 14.4 مليار ليرة، فيما لا تتجاوز نسبة المشمولين بالتأمين الصحي 5 بالمئة من السكان أي نحو 927 ألف شخص فقط وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين الدور المفترض للتأمين وحضوره الفعلي.
قطاع هش..
يصف أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد واقع القطاع بأنه حرج ومترد لكنه يحمل بوادر أمل مع بدء الإصلاحات مشيراً إلى أن ضعف الانتشار يرتبط بضعف الوعي والثقة واختلال آليات التعويض والتغطية وهشاشة شبكات الخدمات الطبية.
وتضاعفت الضغوط بفعل الحرب وهجرة الكوادر وتراجع البنية الصحية، وصعوبات الاستيراد والتحويلات المالية.
أزمة التأمين الصحي..
تبدو المشكلة أكثر وضوحاً في التأمين الصحي حيث لا تعمل سوى 57 بالمئة من المستشفيات و37 بالمئة من مراكز الرعاية الأولية بكامل طاقتها، بينما أدى التضخم وتآكل قيمة الليرة إلى تقليص القيمة الفعلية للتعويضات ورؤوس الأموال.
كما لا تزال مشكلة تأخر مستحقات الأطباء والمستشفيات تضغط على العلاقة بين شركات التأمين ومقدمي الخدمة والمؤمن لهم.
إصلاح بطيء..
لا يعتبر الدكتور محمد أن الإدارة الحالية فشلت بصورة مطلقة نظراً لقصر الفترة الزمنية مقارنة بحجم التشوهات المتراكمة، لكنه يرى أن هناك تأخراً في اتخاذ قرارات حاسمة أبرزها إطلاق استراتيجية 2027-2030 ومعالجة أزمة التأمين الصحي للقطاع العام بصورة جذرية وحل مشكلة مستحقات المزودين.
يرى أن الخطر يكمن في بقاء الإدارة أسيرة ردود الفعل بدلاً من الانتقال إلى سياسة استباقية.
التشريع أولاً
يحتاج القطاع إلى قانون تأمين عصري يضمن حماية المؤمن لهم ويعزز المنافسة إلى جانب رفع الملاءة المالية للشركات تدريجياً وتطوير التأمين التكافلي وإنشاء آليات وطنية لإعادة التأمين.
كما تبدو الرقمنة ضرورة لا خياراً عبر الربط الإلكتروني بين الشركات ومقدمي الخدمات وهيئة الإشراف وتسريع عمليات التعويض والدفع.
الثقة الغائبة..
تبقى الشفافية إحدى أبرز نقاط الضعف في القطاع مع محدودية التقارير الدورية وغياب مؤشرات أداء معلنة وضعف الرقابة على المصروفات إضافة إلى التمركز الجغرافي للشركات وضعف حضورها خارج المدن الكبرى.
وبحسب الدكتور محمد فإن استعادة الثقة هي التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة ثقة المواطن بالشركات وثقة مقدمي الخدمة بالجهات المشرفة وثقة المستثمر بمناخ القطاع.
الاختبار الحقيقي..
الرهان لا يتعلق فقط بإصدار قانون جديد أو إطلاق أنظمة إلكترونية بل بقدرة الإصلاح على رفع نسبة التغطية وتحسين سرعة التعويض واستعادة الكفاءات وتوسيع قاعدة المؤمن عليهم
ويطرح ذلك السؤال الأهم هل نحن أمام إعادة بناء حقيقية لقطاع التأمين السوري أم مجرد ترميم لقطاع أنهكته الحرب والبيروقراطية؟ الإجابة ستحددها قدرة الإدارة خلال السنوات المقبلة على تحويل الإصلاح من قرارات وإجراءات إلى ثقة ونتائج ملموسة.






