ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، قدّم المؤثر اليمني فداء الدين يحيى محاضرة توعوية وتثقيفية، تناولت جملة من القضايا الفكرية والاجتماعية والدينية، في أجواء ليلية هادئة اتسمت بالتفاعل.
واستهل يحيى حديثه بتأكيد أن ما تشهده سوريا اليوم يمثل فضلاً كبيراً من الله، داعياً إلى استحضار قيمة النعم وشكر الله عز وجل على عطائه، مستشهداً بعدد من الصور والمعاني القرآنية التي تدعم أهمية الشكر والصبر في حياة الإنسان والمجتمعات.

وتوقف المحاضر عند ما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية من تدمير وتهجير ومجازر واستخدام للأسلحة المحرمة، مشدداً على ضرورة عدم طيّ صفحة هذه الأحداث أو السماح بنسيانها، بل توثيقها وحفظ تفاصيلها في الذاكرة الوطنية.
وأشار إلى أن المجتمعات التي مرت بتجارب الحروب عادة ما تعمل على توثيق أيام الحرب وما رافقها من مآسٍ، معتبراً أن سوريا تحتاج إلى جهد مماثل يحفظ ذاكرتها ويصون رواية ما عاشه السوريون.
وأكد يحيى أن مسؤولية حفظ الذاكرة لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تتطلب تضافر جهود المؤسسات الأمنية والعسكرية والثقافية والتعليمية، بما يسهم في إبقاء هذه التجارب حاضرة في الوعي العام، ويعزز قدرة الأجيال الجديدة على فهم قيمة ما تعيشه اليوم.
ولفت إلى أن الإنسان لا يدرك قيمة النعمة بصورة كاملة إلا عندما يستحضر في ذهنه حاله حين كان فاقداً لها، مشيراً إلى أن شكر النعمة لا يرتبط بالحفاظ عليها فحسب، وإنما يمثل، وفق الرؤية الدينية التي طرحها، سبباً في زيادتها واستمرارها.

واستشهد المحاضر بقصص عدد من الأنبياء الذين واجهوا المحن بالصبر، واستقبلوا النعم بالشكر، معتبراً أن الجمع بين الصبر في أوقات الشدة والشكر في أوقات الرخاء يشكل منهجاً متكاملاً في التعامل مع تقلبات الحياة.
وأضاف: “إن من أبرز ما قد يصيب الإنسان في مرحلة التمكين أن يغفل عن الشكر، و استحضار الماضي بما حمله من آلام يمكن أن يكون دافعاً للحفاظ على النعم وعدم التعامل معها باعتبارها أمراً مسلّماً به”.
كما رأى يحيى أن المرحلة الراهنة تتيح تطبيقاً عملياً لبعض التعاليم والمعاني الواردة في القرآن الكريم، بحيث لا تبقى تلك المفاهيم محصورة في إطار المؤسسات الدينية، وإنما تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية، متحدثاً عن الانتقال من الخوف إلى الأمن، وعن مفاهيم الاستخلاف والتمكين، ومستشهداً بقوله تعالى: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم”.
كما تناول المحاضر قضية التعلق بالمال، مستشهداً بمقولة: «تعس عبد الدرهم والدينار»، موضحاً أن المقصود بعبادة المال لا يقتصر على اتخاذه معبوداً بالمعنى الحرفي، وإنما يشمل جعل المال محوراً حاكماً في القرارات والتحركات والعلاقات الإنسانية.
وضرب يحيى أمثلة متعددة على ذلك، من بينها التاجر الذي يقدم على صفقة تحقق له مكاسب مالية من دون أن يضع في حساباته الأضرار التي قد تلحق بالآخرين، أو من يجعل المال معياراً أساسياً في قرارات الزواج، سواء في تزويج ابنته أم رفض تزويجها، إضافة إلى من يمتلك القدرة المادية لكنه يتجنب أقاربه ومعارفه المحتاجين، رغم علمه بظروفهم، خشية أن يترتب على التواصل معهم أي التزام مادي.

واختتم يحيى محاضرته بالدعوة إلى الارتقاء في التعامل مع الآخرين، والابتعاد عن تصيد أخطاء الآخرين وتتبع عثراتهم، محذراً من الوقوع في التنازع والخلاف، ومؤكداً أهمية تعزيز قيم التآلف والتعاون والتكافل، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على تجاوز آثار الأزمات، والاستفادة من دروس الماضي في صناعة مستقبل أكثر استقراراً.









