المزيد

‫آخر الأخبار:‬

التعاون السوري الألماني.. اختبار تحويل الخبرة إلى استثمار

‫شارك على:‬
20

أكد الخبير الاقتصادي وأستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان لـ”الوطن”، أنه لا ينبغي النظر إلى الحوار الاقتصادي السوري الألماني، والاتفاقية المصرفية الموقّعة بين مصرف سوريا المركزي وجامعة فرانكفورت للعلوم المالية والإدارية، بدعم من المصرف الإنمائي الألماني «KfW»، بوصفهما نشاطين بروتوكوليين أو برنامجاً تدريبياً عابراً، بل باعتبارهما مؤشراً على بدء الانتقال من مرحلة إعادة فتح قنوات التواصل إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على نقل الخبرة، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة الاقتصادية لاستقبال الاستثمارات الخارجية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الخبرة الطويلة التي يمتلكها القطاع المصرفي الألماني في مجالات الرقابة المصرفية، وإدارة المخاطر، والحوكمة، والامتثال، وتمويل المشروعات الإنتاجية والتنموية. ولفت إلى أن التجربة الألمانية لا تقوم على نموذج مصرفي واحد، بل على نظام متنوّع يجمع بين المصارف التجارية الخاصة، ومصارف الادخار والمصارف الإقليمية، والمصارف التعاونية، إلى جانب المصارف التنموية المتخصصة. وقد أتاح هذا التنوّع الجمع بين الكفاءة التجارية، وتمويل الاقتصادات المحلية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل البنية التحتية والمشروعات ذات الأثر التنموي.

خبرة ملائمة للاحتياجات السورية
ويرى حمدان أن هذا الجانب تحديداً يجعل الخبرة الألمانية ملائمة للاحتياجات السورية، لأن إصلاح القطاع المصرفي في سوريا لا يقتصر على تحديث عمل المصرف المركزي، بل يشمل أيضاً إعادة بناء أدوار المصارف العامة، وتنشيط المصارف الخاصة، وتوسيع التمويل الموجّه إلى القطاعات الإنتاجية، وتحسين قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى الائتمان.

ومن ثم، يمكن للتجربة الألمانية أن تقدّم دروساً مهمة في كيفية تحقيق التوازن بين الدور التنموي للمصارف ومتطلبات الكفاءة والرقابة والاستدامة المالية.

خبرة تتجاوز التمويل
كما تمثل مشاركة المصرف الإنمائي الألماني «KfW» قيمة مضافة تتجاوز توفير التمويل، فهو يمتلك خبرة مؤسسية في تصميم البرامج التنموية، وتقييم المشروعات، وتمويل البنية التحتية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتمويل.

ونوه حمدان باحتياج سوريا إلى هذا النوع من الخبرة، ولا سيما في مرحلة تتطلب الانتقال من تمويل النفقات والاستهلاك إلى تمويل الإنتاج والاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية.
أما جامعة فرانكفورت للعلوم المالية والإدارية بحسب حمدان، فإن أهميتها لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى الخبرة التطبيقية في التعليم المصرفي والتدريب التنفيذي والاستشارات المالية والرقابية.

ومن هنا، فإن الجمع بين الخبرة العلمية للجامعة والخبرة التمويلية والتنموية للمصرف الألماني والاحتياجات التنفيذية التي يحددها مصرف سوريا المركزي، يمنح الاتفاقية طابعاً عملياً ومؤسسياً.

ثلاث سنوات لبناء القدرات
ويلفت حمدان إلى أن امتداد البرامج التدريبية على مدى ثلاث سنوات، يتيح الانتقال من الدورات القصيرة والمتفرقة إلى مسار مستمر لبناء القدرات المصرفية، لكن نجاح الاتفاقية لا يقاس بعدد الدورات المنفّذة أو الشهادات الممنوحة، وإنما بما تحدثه من تغيير فعلي في أداء المؤسسات المصرفية.

فالتدريب الحقيقي يجب أن ينعكس على جودة الرقابة المصرفية، وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة، والحوكمة، والامتثال، والتدقيق الداخلي، والتحوّل الرقمي، وحماية البيانات، ومكافحة الجرائم المالية.

ومن هنا، تحتاج الاتفاقية إلى خطة تنفيذية واضحة تبدأ بتحديد الفجوات المهارية داخل مصرف سوريا المركزي والمصارف العاملة، ثم تصميم برامج مرتبطة بهذه الفجوات، واختيار المتدربين وفق معايير مهنية، وربط التدريب بتقييم الأداء الوظيفي وتطوير الإجراءات.

كما ينبغي اعتماد نموذج تدريب المدربين لضمان انتقال المعرفة إلى عدد أكبر من العاملين، وعدم بقائها محصورة ضمن دائرة محدودة.

نقل الخبرة لا استنساخ النموذج
والأهم، بحسب حمدان، ألا يكون الهدف استنساخ النموذج المصرفي الألماني بصورة حرفية، لأن اختلاف البيئة القانونية والاقتصادية والمؤسسية يفرض تكييف الخبرة المنقولة مع الواقع السوري.

فالقيمة الحقيقية للتعاون لا تكمن في نقل الأنظمة والإجراءات كما هي، بل في الاستفادة من المبادئ التي قامت عليها التجربة الألمانية، وفي مقدمها قوة الرقابة، ووضوح المسؤوليات، وربط التمويل بالتنمية، وقياس المخاطر، والاهتمام بالاقتصادات المحلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

القطاع المصرفي بوابة لجذب الاستثمار

أما اقتصادياً، فإن أهمية التعاون تتجاوز تطوير مهارات العاملين، فوجود قطاع مصرفي يمتلك كفاءات مهنية وأنظمة رقابية موثوقة، يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار.
فالمستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما يهتم أيضاً بوضوح القوانين، وسهولة تحويل الأموال، واستقرار الإجراءات، وإمكانية تسوية المدفوعات، وحماية العقود، والحصول على معلومات مالية موثوقة.

وفي هذا السياق، يمثّل اجتماع الشركات والجهات الرسمية السورية والألمانية على طاولة واحدة خطوة مهمة، لأنه يتيح الانتقال من الخطاب العام حول إعادة الإعمار، إلى تحديد الاحتياجات والمشروعات القابلة للتنفيذ.

وتبرز قطاعات المياه والطاقة بوصفها مجالات حيوية يمكن أن تستفيد من الخبرة والتقنية والتمويل الألماني، بشرط إعداد مشروعات واضحة تتضمن دراسات جدوى، ونماذج تمويل، وآليات تعاقد، وتوزيعاً دقيقاً للمخاطر بين القطاعين العام والخاص.

التفاهمات لا تكفي
وهنا يجب التمييز بين الحوار الاستثماري والاستثمار الفعلي، فالاجتماعات والتفاهمات تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن وحدها دخول رؤوس الأموال، وما يحوّل اهتمام الشركات الألمانية إلى قرارات استثمارية، وجود بيئة تنظيمية مستقرة، ومرجعية موحّدة للمستثمر، وشفافية في منح التراخيص والعقود، وجداول زمنية محددة، وضمانات قانونية ومالية قابلة للتطبيق.

كما ينبغي ألا يقتصر التعاون المصرفي على مصرف سوريا المركزي، بل يجب أن تنتقل مخرجاته تدريجياً إلى المصارف العامة والخاصة، لأن المواطن والمستثمر يقيسان نجاح الإصلاح المصرفي من خلال جودة الخدمة وسرعتها وتكلفتها، لا من خلال الاتفاقيات الموقّعة وحدها.

وشدد حمدان  على أهمية إشراك الجامعات السورية ومراكز البحث والتدريب في بعض البرامج، ما يساعد على توطين المعرفة المصرفية، وبناء خبرات وطنية قادرة على مواصلة التطوير بعد انتهاء البرامج الخارجية.

وعليه، تمثل هذه الخطوات فرصة حقيقية للاستفادة من واحدة من أكثر التجارب المصرفية والتنموية رسوخاً، لكنها في الوقت نفسه اختبار لقدرة الإدارة الاقتصادية السورية على تحويل التعاون الدولي إلى إصلاح مؤسسي مستدام.

والمؤشر الأهم خلال السنوات الثلاث المقبلة لن يكون في عدد الوفود أو اللقاءات، بل في مقدار التحسّن في كفاءة الرقابة المصرفية، وسرعة الخدمات، وإدارة المخاطر، وقدرة المصارف على تمويل النشاط الإنتاجي والتعامل مع المؤسسات المالية الدولية.

ويختم حمدان بأن الاتفاقية تضع أساساً جيداً، إلا أن البناء عليه يتطلب وضوحاً في الأهداف، ومؤشرات قابلة للقياس، ومتابعة دورية للنتائج، فالتدريب يصبح استثماراً عندما يغيّر الأداء، والخبرة الدولية تصبح قيمة مضافة عندما توطّن داخل المؤسسات، والحوار الاقتصادي يصبح شراكة عندما يتحول إلى مشروعات، والانفتاح الخارجي يصبح تنمية عندما ينعكس على الاقتصاد الحقيقي وفرص العمل وجودة الخدمات.