يبدو أن النتائج التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية الأخيرة في المجر، بدأت ترخي بظلالها على علاقات البلاد مع روسيا، بعد هزيمة رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان المؤيد لموسكو نتيجة الفوز الساحق الذي حققه زعيم المعارضة آنذاك بيتر ماغيار، القريب من أوروبا والغرب، هذا المشهد برز اليوم في طرد بودابست عشرة دبلوماسيين روسيين بسبب “تصرفات لا تتوافق مع وضعهم الدبلوماسي”، في تذكير واضح بأن سنوات ولاء أوربان لروسيا قد ولت، لتسارع الأخيرة بالتعهد برد مؤلم.
على خلفية الحدث، فإن الفوز الساحق لماغيار في الانتخابات البرلمانية على رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان أحدث صدى إيجابياً وترحيباً واسعاً في العديد من الأوساط والقيادات الأوروبية، التي احتفت بـ “عودة المجر” إليها بعد هزيمة أوربان المدعوم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أن الانتخابات التي جرت في الثاني عشر من نيسان الماضي حظيت بمتابعة عن كثب في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.
وبعد مرور نحو خمسة أشهر على فوز يمين الوسط بانتخابات المجر، يبدو أن انعكاسات الانتخابات بدأت تتحول إلى حقائق على أرض الواقع، إذ أمرت المجر اليوم، عشرة من أعضاء البعثة الدبلوماسية الروسية لديها بمغادرة البلاد بسبب “أنشطة تُعتبر غير مقبولة للدبلوماسيين”، وأعلنت وزيرة الخارجية أنيتا أوربان أن السفير الروسي أُبلغ بأنه “وفقاً لتقييم السلطات المجرية، انخرط 10 من أعضاء البعثة الروسية في أنشطة داخل المجر تُعتبر غير مقبولة للدبلوماسيين بموجب اتفاقية فيينا التي تُنظم سلوك الدبلوماسيين”.
وزيرة الخارجية المجرية اعتبرت أن هذا القرار “يحمي أمن المجر وسيادتها، ولا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا”، وقالت: إن بودابست “تعتزم مواصلة الحوار الضروري، القائم على الاحترام المتبادل والالتزام بالقواعد”، معيدة إلى الاذهان تعهد رئيس الوزراء ماغيار بإنهاء سياسات البلاد الموالية لروسيا، في مفارقة واضحة مع مواقف أوربان الذي قام مراراً بتأخير أو عرقلة عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، وسعى إلى إبرام صفقات طاقة مع روسيا.
أوربان، الذي تعرض لهزيمة ساحقة في انتخابات نيسان بعد 16 عاماً في منصبه، حافظ على علاقات وثيقة مع الرئيس الروسي حتى بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط 2022، وفي عهده واصلت المجر شراء النفط والغاز الروسي، ومنعت منح قرض من الاتحاد الأوروبي بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، خلافاً لمواقف العديد من الدول الأوروبية التي طردت على خلفية الحرب، عشرات الدبلوماسيين الروسيين، بينما لم تنه بودابست في عهده مهمة أي من أعضاء البعثة لديها.
في المقابل، صرح رئيس الوزراء الجديد وحكومته المنتمية ليمين الوسط مراراً وتكراراً بأن التحالفات الرئيسية للمجر هي الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وأن الحكومة تهدف إلى إعادة بناء الثقة التي تآكلت في عهد أوربان، وخلال جلسة استماع برلمانية في أيار الماضي، قالت أنيتا أوربان التي تربطها علاقة قرابة مع رئيس الوزراء السابق: إن روسيا “ستظل شريكة” لكن العلاقة لا يمكن أن تقوم على “التبعية من جانب واحد”، كما أن سياسات روسيا “تُشكّل تحدياً أمنياً للمجر وأوروبا”.
ويشير طرد الدبلوماسيين الروس إلى أن التغيير السياسي في المجر بدأ ينعكس تدريجياً على سياستها الخارجية، من دون أن يصل إلى حد القطيعة مع موسكو، فحكومة بيتر ماغيار تبدو أمام محاولة لإعادة تموضع البلاد داخل الاتحاد الأوروبي و”الناتو”، مع الإبقاء على قنوات التواصل مع روسيا وتجنب خطوات قد تضر بالمصالح المجرية المباشرة، ولا سيما في مجال الطاقة.
أسرة التحرير








