عقد حاكم مصرف سورية المركزي، صفوت رسلان، اجتماعاً مع ممثلي كوميرتس بنك الألماني في مقر المصرف المركزي، في سياق الجهود الرامية إلى تعزيز الثقة بين المصارف السورية ونظيراتها الدولية، ودعم التبادل التجاري والاستثماري بين سورية وألمانيا عبر قنوات مصرفية مستقرة.
واستعرض المركزي الخطوات التنفيذية والإصلاحات التي يعمل عليها لتطوير القطاع المصرفي والنقدي في سوريا، وتعزيز الرقابة المصرفية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما بُحثت توجهات كوميرتس بنك في تعاملاته الخارجية، وأهمية توفير قنوات مصرفية موثوقة ومستقرة تيسّر التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين.
واوضح المركزي أن اللقاء ياتي ضمن جهوده لتوسيع التواصل مع المصارف والمؤسسات المالية الدولية والجهات الرقابية، وتشجيعها على زيارة سوريا والاطلاع على واقع المصارف السورية والتطورات التي يشهدها القطاع، ما يسهم في معالجة المخاوف المتراكمة وتعزيز الثقة وتوسيع التعاون المصرفي الدولي.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، يرى في حديث لـ”الوطن”، أن اجتماع حاكم المركزي مع ممثلي كوميرتس بنك الألماني يشكّل خطوة عملية في مسار إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالشبكة المالية الأوروبية.
وتكمن الأهمية الاقتصادية للاجتماع، بحسب محمد، في كونه يتجاوز الإطار البروتوكولي إلى بحث شروط تشغيلية محددة، تشمل تطوير الرقابة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتوفير قنوات مراسلة موثوقة.
ويشير إلى أن وجود مصارف خاصة سورية بملكية مجموعات مصرفية عريقة في الخارج يشكل رصيداً يمكن استثماره لبناء الثقة، لكن ترجمة ذلك إلى تدفقات تجارية واستثمارية فعلية مع ألمانيا تظل مرهونة باستيفاء معايير الامتثال الدولية بشكل قابل للتحقق.
أساس التبادل التجاري والاستثماري
ويوضح محمد أن أهمية الاجتماع تتجلى على مستويات متعددة، أولها البنية التحتية المالية، إذ لا يمكن لأي تبادل تجاري أو استثماري بين سورية وألمانيا أن يتحقق فعلياً دون وجود قنوات مصرفية مراسلة تسمح بتحويل الأموال وتسوية المدفوعات.
ويشير إلى أن غياب هذه القنوات خلال السنوات الماضية لم يعطل التجارة فحسب، بل حوّلها إلى مسارات غير نظامية رفعت كلفتها ومخاطرها، ومن هنا فإن فتح حوار مباشر مع مصرف ألماني كبير يمثل خطوة تأسيسية في إعادة بناء هذه البنية، ويمنح الاجتماع أهمية تتجاوز كونه لقاءً دبلوماسياً إلى كونه مدخلاً لمعالجة اختناق هيكلي في الاقتصاد السوري.
الرقابة المصرفية أمام التقييم الدولي
وعلى مستوى المصداقية الرقابية، يرى محمد أن الاجتماع يضع إصلاحات المركزي في مجال الرقابة المصرفية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أمام تقييم مهني خارجي مباشر، معتبراً أن هذه نقطة جوهرية، لأن الثقة الدولية لا تُبنى بالإعلانات، بل بالتحقق المستقل.
ويوضح أنه عندما يزور مصرف أوروبي مرجعي مقر المركزي ويطلع عن قرب على الأطر التشريعية والتنفيذية، فإنه يمنح هذه الأطر ما يمكن تسميته شهادة تقييم أولية تفتح الباب أمام مراجعات أوسع من جهات رقابية أخرى، مشيراً إلى أن هذا التحول من التقييم الذاتي إلى التقييم الخارجي هو ما يمنح الاجتماع قيمته الاقتصادية الحقيقية.
بناء الثقة القابلة للقياس
ويرى محمد أن الاجتماع ينقل النقاش من مطالب رفع العقوبات إلى بناء الثقة القابلة للقياس، وهو تحول جوهري في المقاربة، فبدلاً من انتظار تغيير في البيئة السياسية، يعمل المركزي على تهيئة القطاع المصرفي ليكون جاهزاً حين تتاح النافذة.
ويعتبر أن هذه الاستراتيجية الوقائية تحمل قيمة اقتصادية كبيرة، لأنها تقصّر الفجوة الزمنية بين أي انفراج سياسي محتمل وبين التدفق الفعلي للاستثمارات والتجارة.
ألمانيا شريك محتمل
وعلى مستوى البعد التجاري والاستثماري الثنائي، يشير محمد إلى أن ألمانيا ليست شريكاً تجارياً عابراً لسورية، بل هي اقتصاد تصديري كبير ولاعب رئيس في الاتحاد الأوروبي، لافتاً إلى أن وجود قناة مصرفية موثوقة مع مصرف ألماني مرجعي يسهّل تدفق السلع الرأسمالية والتكنولوجيا والاستثمارات المباشرة، ويخفض كلفة المعاملات ويقلص الاعتماد على وسطاء ماليين غير نظاميين.
ويضيف أن المصارف الخاصة السورية المملوكة لمجموعات مصرفية عريقة في الخارج تمثل جسراً طبيعياً لهذا الاتصال، وهو رصيد مؤسسي نادر في المنطقة ينبغي البناء عليه.
ويلفت محمد إلى أن أي تقدم في العلاقات المصرفية الخارجية ينعكس داخلياً كحافز للإصلاح، إذ تصبح المصارف السورية، عندما تعلم أن أداءها سيخضع لتقييم دولي، أكثر التزاماً بمعايير الامتثال والشفافية، معتبراً أن هذا الأثر التحفيزي غير المباشر قد يكون أهم من الأثر المباشر للاجتماع، لأنه يرسخ ثقافة الامتثال داخل الجهاز المصرفي.
ويرى محمد، كرأي أكاديمي اقتصادي، أن اللقاء مع كوميرتس بنك وحده لا يكفي لتحريك التبادل التجاري والاستثماري، فالثقة المصرفية الدولية ترتبط بثلاثة متغيرات قابلة للقياس، هي جودة تقارير الامتثال، واستقلالية الرقابة، وسجل تنفيذ العقود.
ويشير إلى أن ما يبعث على التفاؤل هو أن المركزي يبدو مدركاً أن المطلوب ليس استثناءً بل اندماجاً، لكنه يحذر من الفجوة بين الخطاب والإجراء، موضحاً أنه إذا لم تترجم الاجتماعات إلى اتفاقيات مراسلة ملموسة ورفع فعلي لكلفة التحويلات، فإن الأثر الاقتصادي سيبقى محدوداً.
ويؤكد أن النجاح الحقيقي سيُقاس بعدد التحويلات التجارية التي تمر عبر قنوات نظامية، لا بعدد اللقاءات.









