أجرى الرئيس أحمد الشرع أول عملية دفع باستخدام بطاقة «Visa» في دمشق، بعد رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بحضور حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز الجانب التقني لتصل إلى مسار إعادة دمج القطاع المالي السوري في منظومة المدفوعات العالمية.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان عبر صفحته في “فيسبوك”: “أن نشهد هذه اللحظة مع السيد الرئيس أحمد الشرع، وأن تتم أول عملية دفع باستخدام ببطاقة Visa في قلب دمشق في اليوم التالي لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فهذا بالنسبة لي شعور يصعب اختصاره بالكلمات”
وأضاف: هي بداية جديدة نحمل فيها الكثير من الأمل والمسؤولية أيضاً، وسنواصل العمل بلا توقف لبناء نظام مالي حديث موثوق ومنفتح يواكب تطلعات السوريين ويفتح أمامهم فرصاً جديدة”.
وختم رسلان بالقول: اليوم نفتح باباً جديداً وغداً بإذن الله نكتب فصلاً أجمل لسوريا.
خطوة تتجاوز الرمز
ورأى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن عودة سوريا إلى منظومة المدفوعات العالمية بعد رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمثل منعطفاً اقتصادياً بالغ الأهمية، موضحاً أن اندماج النظام المصرفي السوري في شبكة المدفوعات الدولية هو شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي، وجذب التحويلات والاستثمارات، وتخفيض تكلفة التعاملات التجارية والمالية.
واعتبر أن إعلان أول عملية دفع ببطاقة «Visa» في دمشق يجريها رئيس الجمهورية يكتسب دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي إلى ما هو أعمق في مسار التعافي الاقتصادي.
وعن كيفية قراءة إجراء أول عملية دفع ببطاقة Visa من رئيس الجمهورية، قال محمد: إن القراءة الاقتصادية لهذا الحدث تشير إلى أن اختيار رئيس الجمهورية ليكون أول من يجري عملية دفع ببطاقة Visa هو رسالة سياسية واقتصادية مدروسة أرادت القيادة السورية توجيهها إلى الداخل والخارج معاً.
فمن جهة، هي رسالة إلى المواطن السوري بأن الدولة جادة في إعادة بناء النظام المالي وفتح قنوات التعامل مع العالم، ومن جهة أخرى، هي رسالة إلى المؤسسات المالية الدولية وشبكات الدفع العالمية بأن سوريا أصبحت بيئة قابلة للتعامل بعد رفع العقوبات، وأن القيادة السياسية تتبنى شخصياً هذا الملف وتضعه في صدارة الأولويات.
أما من الناحية النقدية، فإن إشراك رئيس الجمهورية في هذا الحدث يعطي إشارة قوية إلى أن ملف الاندماج المالي الدولي يحظى بدعم سياسي كامل، وهو عامل مهم في بناء الثقة لدى المتعاملين الدوليين الذين يترددون عادة بالدخول إلى أسواق لا تتمتع باستقرار سياسي ودعم حكومي واضح.
نحو عودة فعلية للنظام المالي
وأكد محمد أن أول عملية دفع ببطاقة Visa تحمل دلالة تتجاوز الجانب الرمزي بدرجة كبيرة، ويمكن اعتبارها بداية فعلية لعودة النظام المصرفي السوري إلى شبكة المدفوعات العالمية، لكن بشروط ومراحل.
ومن الناحية التقنية، فإن تفعيل قبول بطاقات Visa في نقاط البيع داخل سوريا يعني أن هناك اتفاقيات تسوية ومقاصة قد أُبرمت بين مصارف سورية ومؤسسات مالية دولية، وأن البنية التحتية للمدفوعات أصبحت قادرة على معالجة معاملات دولية وفق معايير الامتثال العالمية.
وأكد أن هذا الأمر ليس رمزياً، بل هو إنجاز تقني ومؤسسي حقيقي.
لكن من الناحية العملية، يجب التمييز بين قبول البطاقات الأجنبية داخل سوريا وإصدار بطاقات Visa من مصارف سورية قابلة للاستخدام خارجياً، فالأول يعني أن حامل البطاقة الأجنبية يستطيع الدفع في سوريا، وهو ما تم إثباته في الحدث المعلن، أما الثاني فيتطلب انضمام المصارف السورية إلى نظام العضوية الكاملة في Visa أو Mastercard، وهذا بدوره يتطلب استيفاء معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتبادل المعلومات المالية، وهي عملية قد تستغرق وقتاً أطول.
كما أن إعادة ربط المصارف السورية بشبكة SWIFT بشكل كامل، وعودة العلاقات مع البنوك المراسلة الدولية، هما العاملان الحاسمان في تحويل هذا الحدث من بداية رمزية إلى اندماج فعلي وشامل في النظام المالي العالمي.
متى يشعر المواطن بالفائدة؟
وعن موعد انتقال أثر عودة خدمات الدفع الدولية من حدث رمزي إلى فائدة ملموسة للمواطن، رأى محمد أن ذلك مرهون بتحقيق ثلاثة شروط أساسية، في مقدمتها اكتمال البنية التحتية المصرفية وإعادة بناء العلاقات مع البنوك المُراسلة، فالفائدة الحقيقية للمواطن تتحقق عندما تستطيع المصارف السورية إجراء تحويلات دولية مباشرة بأسعار مقبولة، وكذلك عندما تُفتح قنوات رسمية للتحويلات من المغتربين السوريين عبر النظام المصرفي، بدلاً من قنوات الصرافة غير الرسمية المُكلفة والمحفوفة بالمخاطر، وهذا يتطلب أشهراً من العمل التقني والمؤسسي.
أما الشرط الثاني فيتمثل في إصدار بطاقات دفع دولية من مصارف سورية، فعندما يتمكن المواطن السوري من الحصول على بطاقة Visa أو Mastercard صادرة عن مصرف سوري ويستخدمها في الشراء عبر الإنترنت أو في أثناء السفر، عندها فقط تتحول الفائدة من شكلها النظري إلى واقع يومي.
وأشار إلى أن ذلك يتطلب انضمام المصارف السورية إلى المنظومات العالمية كأعضاء مصدّرين، وهو ما قد يستغرق من ستة أشهر إلى سنة، وفق التجارب الدولية في حالات مماثلة.
سعر الصرف في قلب المعادلة
ويأتي استقرار سعر الصرف وتوحيده شرطاً ثالثاً، إذ لا يمكن الحديث عن فائدة ملموسة في ظل وجود فجوة كبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي.
وشرح محمد أن قبول بطاقات Visa في نقاط البيع يتطلب تسوية المعاملات بعملة أجنبية، وإذا لم يكن هناك سعر صرف موحد وواقعي، فستنشأ تشوهات قد تفقد هذه الخدمة جدواها الاقتصادية للمواطن.
وعليه، يمكن القول: إن الفائدة الملموسة للمواطن قد تبدأ بالظهور خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وثمانية عشر شهراً، بشرط استمرار الاستقرار السياسي والأمني، وتوافر الإرادة الحقيقية لإصلاح القطاع المصرفي، وعدم عودة أي عقوبات دولية.
وفي النهاية، رأى محمد أنه يمكن القول: إن أول عملية دفع ببطاقة Visa في سوريا هي إشارة انطلاق نحو إعادة بناء النظام المالي السوري على أسس حديثة، لكن تحويل هذا الحدث إلى منفعة اقتصادية حقيقية للمواطن يتطلب برنامجاً إصلاحياً شاملاً يتجاوز الجانب التقني إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في القطاع المصرفي، وعلى رأسها إعادة هيكلة المصارف العامة، وتوحيد سعر الصرف، وتحديث الأطر الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وختم محمد بالقول: إن نجاح هذه التجربة سيقاس في النهاية بقدرة المواطن السوري العادي على إجراء تحويل مالي دولي بسهولة وبتكلفة معقولة، وبقدرة التاجر السوري على الاستيراد والتصدير عبر قنوات مصرفية رسمية، وبعودة ثقة المُودعين والمستثمرين بالجهاز المصرفي الوطني، وحينها فقط يمكن القول إن سوريا دخلت فعلياً في الفصل الجديد الذي تحدّث عنه حاكم المصرف المركزي.






