للوردة الشّامية مكانة مميّزة لدى الدّمشقيين خصوصاً والسّوريين عموماً، لكونها عنصراً مهمّاً من عناصر التراث اللامادي، وقد أدرجتها منظمة “اليونيسكو” ضمن قائمة “التّراث الثقافي اللامادي” في عام 2019، تقديراً لمكانتها في الموروث السوري الذي احتفت به مؤسسة “إعداد للتنمية الخيرية” في المركز الثّقافي العربي بالمزة، من خلال الندوة التي أقامتها بعنوان “الوردة الشامية والحرف التراثية” ضمن فعاليات أسبوع “التراث اللامادي”.
وخلال الندوة وصف أحمد عبد الناصر، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، الوردة الشامية بأنها أجمل رموز تراثنا السّوري الأصيل، وتساءل: “كيف يمكن لوردة صغيرة أن تحمل في عبيرها تاريخ أمة كاملة؟ وكيف يمكن لقطعة صنعتها يد حرفي بسيط أن تروي قصة عن أجيال امتدت لعشرات السنين؟”، وأضاف: “هنا تكمن قوة التراث، والحديث عن التراث ليس حديثاً عن الماضي فحسب، بل هو حديث عن الحاضر والمستقبل، فالتراث هو الذاكرة الحية للشعوب، وهو الجسر الذي يصل الأجيال بجذورها وقيمها وهويتها الثقافية، والحفاظ على التراث يعني الحفاظ على قصص الناس وتجاربهم ومهاراتهم وأنماط حياتهم التي تشكّل جزءاً من شخصيتهم الوطنية”.
وتأتي مشاركة المؤسسة في هذا الاحتفاء، كما كشف عبد الناصر، لكون التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الثقافة والتراث، ولكون المجتمعات الحقيقية هي التي تنجح في الجمع بين التقدّم والمحافظة على هويتها، وأضاف: “الوردة الشامية ليست مجرد نبتة جميلة أو محصول زراعي موسمي، بل رمز حضاري وثقافي ارتبط بتاريخ بلاد الشام منذ مئات السنين، وقد عُرفت هذه الوردة في مختلف أنحاء العالم بجمالها الفريد وعطرها المميّز، ولا تتوقف أهميتها هنا، بل تمتد إلى كونها مناسبة لإحياء مجموعة واسعة من الحرف المرتبطة فيها وبالبيئة الشامية عموماً”.

وكشف عبد الناصر أن النّدوة رافقها معرض للأعمال اليدوية لسيدات شاركن في برنامج تدريبي من بين برامج كثيرة تقيمها المؤسسة، بهدف تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً، إضافةً إلى تزويدها بالمهارات اللازمة لإنتاج أعمال حرفية ذات جودة عالية تساعدها في الاعتماد على نفسها، وفي الوقت ذاته تستطيع الإسهام في الحفاظ على المهن والحرف التراثية، وتابع: “كانت المرأة عبر التاريخ حارساً للتراث، وناقلاً للمعرفة من جيل إلى آخر، ولا تزال شريكاً أساساً في عملية الإنتاج والتنمية”.
كيف نحافظ على هذا الكنز؟ سؤال أجاب عنه أحمد عبد الناصر بالقول: “الحفاظ على التراث اللامادي مسؤولية جماعية تتشارك فيها كلّ المؤسسات، لأن التراث ليس ملكاً لجيل واحد، بل أمانة تنتقل من جيل إلى آخر، ومن واجبنا أن نوفّر للأجيال الجديدة الفرصة للتعرّف على هذا الإرث والانتماء إليه والمساهمة في تطويره واستثماره بما يخدم المجتمع”.
وبالحديث عن الجانبين المعرفي والعلمي، قالت الكيميائية وعضو “الجمعية السورية الكيميائية” والمدرّبة في مؤسسة “إعداد” لمى عبد المعطي لـ”الوطن”: “السّوق مليئة بمستحضرات كورية تشبه الكوريين ولا تشبهنا، والوردة الشامية تعطينا التألق والنضارة، إن تحدّثنا عن فوائدها الجمالية، لذلك ندعم العودة إلى الطبيعة والمواد العشبية الموجودة والتي تساعدنا على علاجات مشكلاتنا، وكباحثين نفخر بأن العلم الحديث يثبت بما لا يقبل الشك ما عرفته الحضارات القديمة منذ آلاف السنين.. وأصول الوردة الشامية هي غوطة دمشق، والسجلّات الأثرية تشير إلى وجودها في بلاد الشام منذ أكثر من ألفي عام، وبعيداً عن النظريات فقلبها النابض في قرية “المراح” بريف دمشق التي تعدّ المنتج الرئيس للسلالة الأم والأكثر أصالة في العالم، أما قطافها فيتم بطريقة تقليدية ومتوارثة، ويكون بين الساعة الرابعة والسادسة صباحاً”.
وتحدّثت عبد المعطي بموجز شامل عن كنز المركبات الفعالة الذي تحتويه الوردة الشامية، وأوضحت: “تتحقّق الفعالية العلاجية للوردة في مختبراتنا الحديثة من خلال تحليلها الكيميائي المعقّد، وتتلخص المواد الفعّالة في فئتين رئيستين، هما المركبات الطيّارة المسؤولة عن السحر العلاجي، والمركبات المسؤولة عن الرائحة والتأثير العصبي، لافتةً إلى أن الوردة الشامية بالمعجم الطبي النباتي موجودة في تصنيفين، وذلك لأن خصائصها في الصباح تختلف عنها في الظهيرة، إذ تختفي مكونات وتظهر أخرى، وهذا هو السحر الخاص فيها.
كما تحدّثت عن عملية التقطير واستخدامات زيوت الوردة الشامية في العديد من منتجات العناية بالبشرة والشعر، منوهةً بارتفاع سعر زيتها، إذ يصل سعر الغرام الواحد منه إلى أربعمئة ألف ليرة.
ويضم المعرض منتجات تدخل الوردة الشامية في تركيبها كالعطور والصابون، ومن المتدرّبات المشاركات حنان تركماني التي تصنع الورود من “الساتان”، وزهيرة زيتوني التي اشتغلت قطعاً جميلة على شكل الوردة، مستخدمة “الريزن” والشمع و”الكونكريت” والطباعة على الكاسات الزجاجية، وكلها على أشكال ورد.
وفي تصريح لـ”الوطن” أكدت المتدرّبة حياة جبريل أن الوردة الشامية جميلة جداً، وأن غالبية الشموع لديها تعتمد عليها لأنها موجودة في حياتنا ولا يمكننا الاستغناء عنها.
الوطن ـ نجوى صليبه








