لا يمكن اعتبار سياسة حبس السيولة وحدها حلاً للأزمات الاقتصادية، فقد تساعد مؤقتاً في إدارة السيولة أو تنظيم حركة الأموال، لكنها قد تكون أكثر نجاحاً عندما تكون جزءاً من برنامج إصلاح اقتصادي أشمل، بينما قد تكون آثارها محدودة أو سلبية إذا طبقت في بيئة تعاني من ضعف الثقة بالمصارف وارتفاع التضخم وتراجع النشاط الاقتصادي.
الخبير والأكاديمي في جامعة إدلب الدكتور مصعب شبيب رأى بأنه منذ اعتماد سياسة حبس السيولة ضمن أدوات المصرف المركزي في المرحلة الاقتصادية الجديدة بعد التحرير، برزت هذه السياسة كواحدة من أكثر السياسات النقدية تأثيراً وإثارةً للجدل، لأنها مست بشكل مباشر ثلاث ركائز أساسية في الاقتصاد السوري وهي الثقة بالمصارف ونشاط قطاع الأعمال واستقرار سعر الصرف.
وبيّن في تصريح لـ”الوطن”: إن جوهر هذه السياسة يقوم على تقليص الكتلة النقدية المتاحة في السوق، عبر الحد من السحوبات النقدية وتجميد جزء من القدرة التمويلية للمصارف، بهدف تقليل الطلب الكلي وضبط الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أنه من الناحية النظرية هذا الإجراء مفهوم، حيث أنه كلما قلت السيولة المتداولة، انخفضت القدرة على المضاربة على الدولار، وتراجع الطلب عليه، ما ينعكس إيجاباً على سعر الصرف، وهذا ما حدث فعلياً خلال الأيام الماضية.

وأشار شبيب إلى أن سياسة حبس السيولة ساهمت في تخفيف الطلب على القطع الأجنبي، وبالتالي في تحسن سعر صرف الليرة. لكن السؤال الجوهري هنا: هل هذا التحسن مستدام؟ الجواب علمياً ليس بالضرورة.
وأضاف: تحسن سعر الصرف الناتج عن شح السيولة يختلف عن التحسن الناتج عن قوة الاقتصاد، حيث أن الأول هو تحسن ناتج عن انكماش نقدي، بينما الثاني ناتج عن نمو إنتاجي، وفي الحالة السورية، يبدو أن جزءاً كبيراً من التحسن الأخير يرتبط بالانكماش النقدي أكثر من ارتباطه بزيادة الصادرات أو تحسن الميزان التجاري، لكن الكلفة المقابلة لهذه السياسة كبيرة.
وأوضح بأن إيقاف الإقراض يعني عملياً تجميد شريان التمويل الأساسي لقطاع الأعمال، مشيراً إلى أن معظم الشركات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، تعتمد على القروض القصيرة ومتوسطة الأجل لتأمين رأس المال التشغيلي، وشراء المواد الأولية، ودفع الرواتب، وتوسيع الإنتاج، وعندما يتوقف هذا التمويل، تتراجع قدرة الشركات على الاستمرار، ويحدث تباطؤ واضح في الدورة الاقتصادية، وهذا التباطؤ ينعكس على شكل انخفاض في الإنتاج، وتراجع في فرص العمل، وضعف في حركة الأسواق، أي أن سياسة حبس السيولة قد تحمي الليرة مؤقتاً، لكنها في الوقت نفسه تضعف الاقتصاد الحقيقي الذي يفترض أن يكون أساس قوة العملة.
وأكد شبيب أن التأثير الأخطر على الاقتصاد هو فقدان الثقة بالمصارف، فعندما يشعر المودع أن أمواله محجوزة جزئياً أو أن الوصول إليها أصبح أكثر صعوبة، تتراجع الثقة بالمؤسسات المصرفية، وهذه النقطة خطيرة جداً، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي للقطاع المصرفي، ومع ضعف هذه الثقة، يتجه الناس نحو الاكتناز النقدي خارج البنوك، ما يضعف قدرة المصارف على استعادة دورها الطبيعي في التمويل والتنمية.
وختم بالقول إن حبس السيولة ساهم في ضبط سعر الصرف وكبح جزء من التضخم، لكنه في المقابل خلق ضغطاً على الأعمال وأضعف الثقة المصرفية، موضحاً بأن التحدي اليوم أمام المركزي ليس فقط في حماية الليرة، بل في الانتقال من سياسة دفاعية إلى سياسة توازن، تسمح بإعادة تنشيط الإقراض الإنتاجي دون فتح الباب مجدداً أمام التضخم والانفلات النقدي، لأن استقرار العملة لا يُبنى على ندرة السيولة فقط، بل على اقتصاد حي وثقة مالية مستقرة.








