تتباين آراء خبراء الاقتصاد حول التحركات الأخيرة في سعر صرف الليرة السورية، بين من يفسّرها بعوامل ظرفية مرتبطة بالسوق والمضاربات والتطورات الإقليمية، ومن يراها انعكاسا أعمق لبنية الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج والتشغيل. هذا الاختلاف في القراءة يفتح سؤالاً أساسياً: هل ما نشهده هو تحسن اقتصادي فعلي أم مجرد توازن مؤقت في سوق شديد الحساسية؟
في هذا السياق، يقدّم الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في تصريح لـ”الوطن ” رؤية تركز على مجموعة من العوامل المباشرة التي قد تكون وراء تحسن الليرة، بينما ينشر الخبير الاقتصادي جورج خزام على صفحته الرسمية قراءة مختلفة، تعتبر أن سعر الصرف ليس معيارا دقيقا لقياس قوة الاقتصاد بحد ذاته.
وبين هذين الطرحين، تتشكل صورة أكثر تعقيدا لسوق الصرف السوري، حيث تختلط العوامل النقدية بالسياسية والإنتاجية، وتبقى الإجابة عن سؤال أي التفسيرين أدق؟ ومرتبطة بطبيعة المرحلة الاقتصادية نفسها.
عوامل تحسن الليرة:
يرى الخبير الاقتصادي محي الدين أن أي تحسن في قيمة الليرة السورية يرتبط بتداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية، التي تؤثر بشكل مباشر في حجم العرض والطلب في سوق القطع الأجنبي.
ومن أبرز هذه العوامل: تشديد إجراءات ضبط المستوردات ومحاربة الاستيراد الوهمي..وعودة تدريجية لنشاط الاستثمار الخارجي إضافة إلى تهدئة التوترات الإقليمية، خاصة بين إيران والولايات المتحدة واستئناف صادرات النفط والغاز والفوسفات السورية مع تحسن الصادرات الزراعية والغذائية إضافة إلى موضوع تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية وتنشيط حركة الترانزيت والملاحة الجوية مع احتمالات تقليص استخدام الليرة في بعض المناطق وعودة السياحة والمغتربين خلال المواسم..مع ارتفاع الوعي بأهمية استقرار العملة لدى الفاعلين الاقتصاديين وتراجع خطاب التهويل المرتبط بانهيار الليرة
بالإضافة إلى احتمال وجود ضبط غير مباشر لمنصات التداول في سوق الصرف
ويشير محي الدين إلى أن سوق الصرف في سوريا سوق محدودة الحجم نسبياً، ما يجعلها شديدة التأثر بالمضاربات والطلب المفاجئ على العملات الأجنبية، وبالتالي فإن أي تغير في السيولة يمكن أن ينعكس بسرعة على السعر صعوداً أو هبوطاً.
ويضيف أن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام يتطلب أكثر من إجراءات نقدية، بل يحتاج إلى تعزيز الثقة، وزيادة التحويلات والاستثمار والسياحة، إلى جانب ضبط الاستيراد وتشجيع التصدير، مع ضرورة رفع الوعي الجماعي بخطورة المضاربة على الليرة.
الصرف بين الظل والواقع الاقتصادي:
في المقابل، يقدّم الخبير الاقتصادي د. جورج خزام ، على صفحته الرسمية، قراءة مختلفة لسعر الصرف، معتبرًا أن ارتفاع أو انخفاض الدولار لا يمكن اعتباره مؤشرا مباشرا على صحة الاقتصاد أو تدهوره.
ويرى أن معيار قوة الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بسعر العملة، بل بعناصر أساسية أبرزها:
حجم الإنتاج المحلي
مستوى البطالة
تطور القوة الشرائية للدخل
ويؤكد أن العلاقة بين هذه المؤشرات مترابطة، فكلما ارتفع الإنتاج، ارتفع الطلب على اليد العاملة وانخفضت البطالة وتحسنت مستويات الدخل، بينما يؤدي تراجع الإنتاج إلى نتائج معاكسة حتى لو تحسن سعر الصرف.
كما يطرح مفهوم سعر الصرف الأمثل، وهو المستوى الذي يخدم الاقتصاد الإنتاجي، وقد يكون مرتفعاً في بعض المراحل، خاصة خلال فترات إعادة الإعمار أو الإقلاع الاقتصادي، حيث تصبح المستوردات مرتبطة بمواد أولية ووسائل إنتاج ضرورية.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن ارتفاع سعر الدولار قد يسهم أحيانا في:
رفع كلفة المستوردات.
-تعزيز تنافسية المنتج المحلي.
-تقليل الاعتماد على الاستيراد وتشجيع التوجه نحو الإنتاج المحلي ،كما يوضح أن جزءا من تكاليف الإنتاج المحلي يبقى ثابتاً بالليرة السورية، ما يمنحه قدرة نسبية على الصمود أمام تقلبات سعر الصرف مقارنة بالسلع المستوردة.
قراءة مزدوجة لعملة واحدة:
بين الطرحين، يتضح أن تفسير حركة الليرة السورية لا يمكن حصره في زاوية واحدة. فهناك من يقرأها من زاوية السوق والتدفقات النقدية والمضاربات والعوامل السياسية، وهناك من يراها انعكاساً أعمق لبنية الإنتاج والبطالة والدخل.
وفي المحصلة، تبقى الليرة السورية مرآة مزدوجة: تعكس يوميات السوق من جهة، وتعكس في العمق مستوى الاقتصاد الحقيقي من جهة أخرى، ما يجعل فهم تحركاتها أكثر تعقيدا من مجرد متابعة رقم يتغير في نشرة الصرف.






