يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أن قرار وزارة الطاقة الأخير بتخفيض أسعار المحروقات والغاز بنسب متفاوتة يمثل لحظةً اقتصاديةً بالغة الدقة في المشهد السوري الراهن، فهذا القرار لا يُقرأ بمعزل عن المتغيرات الثلاثة الأشد تأثيرا في بنية التسعير: سعر الصرف الموازي، وكلفة الاستيراد والتأمين (بما فيها أزمة هرمز الأخيرة)، وآلية الدعم الحكومي المالي.
ولفت محمد إلى أن الانخفاض المُعلن، والذي بلغ ذروته عند 20.39 بالمئة للبنزين أوكتان 95، يأتي بعد فترة ارتفاعات حادة تجاوزت 30 بالمئة بسبب تداعيات التوتر في مضيق هرمز وتكاليف الشحن والتأمين يفرض سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى تناسب هذا التخفيض مع تحسن سعر الصرف الذي تشير التقديرات إلى أنه لم يتجاوز 11 بالمئة، ولماذا لم تعد الأسعار إلى نقطة ما قبل أزمة هرمز، ما يفتح الباب لتحليل معادلة التسعير الحكومية التي تقوم على فلسفة سعر التكلفة الكلية والتي تحمل في طياتها أعباءً تراكمية تتجاوز مجرد العلاقة الخطية مع سعر الصرف.
ويرى محمد أنه لفهم أسباب عدم عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل أزمة هرمز رغم التراجع الأكبر في سعر الصرف والبالغ 20 بالمئة، يجب تفكيك معادلة التسعير إلى مكوناتها الأساسية، الفرضية القائلة إن تحسن سعر الصرف بنسبة 11 بالمئة يفترض أن يخفض السعر 11 بالمئة فقط هي فرضية تبسيطية، بينما الفرضية الأصح التي تطرحها هي: لماذا لم يُلغَ أثر هرمز كليا؟

ويستعرض أستاذ الاقتصاد ثلاثة عوامل تفسر هذه الفجوة هي عدم تناسب كلفة هرمز مع سعر الصرف فقط فالأزمة الجيوسياسية في هرمز لا ترفع سعر النفط الخام عالميا فحسب، بل تضاعف بشكل كبير جدا تكاليف التأمين البحري وأجور الشحن، و هذه التكاليف تُدفع بالعملة الصعبة وتُضاف إلى كلفة الاستيراد بشكل مستقل عن سعر برميل النفط وعندما هدأت الأزمة، لم تعد هذه التكاليف إلى الصفر، بل تراجعت جزئيا فقط، ما يعني أن رسم المخاطرة لا يزال مضافاً إلى هيكل التكلفة.
يضاف إلى ذلك بحسب أستاذ الاقتصاد فارق التوقيت وتسييل المخزون حيث تقوم آلية التسعير الحكومية على مبدأ متوسط الكلفة وليس الكلفة اللحظية، فالمستودعات والسفن التي وصلت خلال فترة الذروة السعرية لكلفة هرمز تكون قد خُزنت بتكلفة عالية جدا، والحكومة تقوم بتسييل هذه المخزونات بالأسعار الجديدة، وبالتالي فإن السعر للمستهلك يعكس معدل التكلفة المرجح للمخزون وليس سعر الشحنة الأحدث فقط، وهذا يؤدي إلى تباطؤ مقصود في انخفاض الأسعار لحين تصريف الكميات عالية التكلفة.
السعر الإداري
ومن النقاط التي يستعرضها محمد فلسفة السعر الإداري وبنود التكلفة الثابتة، إذ إن السعر الرسمي لا يعكس فقط سعر الاستيراد، بل يشمل تكاليف التكرير المحلي (لجزء من المشتقات) والنقل والتوزيع وهوامش الحلقات الوسيطة، وهذه البنود تعرضت لتضخم كبير بالليرة السورية، وبالتالي، حتى مع انخفاض كلفة الدولار، فإن المكونات التشغيلية المسعّرة بالليرة ارتفعت، ما يشكل أرضية سعرية تمنع السعر النهائي من الانخفاض بنفس حدة انخفاض سعر الصرف.
هل ستنخفض الأسعار في الأسواق أم لا؟
يرى أستاذ الاقتصاد أن انعكاس انخفاض سعر المحروقات على أسعار السلع والخدمات في الأسواق سيكون تفاضليا وغير متماثل، وإجمالاً، لا يتوقع انخفاضاً عاماً وشاملاً، بل تباطؤ في وتيرة التضخم، وذلك يعود إلى انخفاض محدود في قطاعي النقل والزراعة فالقطاع الأكثر تأثرا هو النقل العام ونقل البضائع، إذ سنشهد على الأرجح تثبيتا لأجور النقل وعدم زيادتها، مع احتمالية انخفاض محدود جدا في بعض خطوط النقل التي قامت برفع أسعارها بشكل حاد بعد أزمة هرمز، أما في الزراعة (لارتباطها بالديزل)، فقد يحدث انخفاض طفيف في أسعار بعض الخضار والفواكه الموسمية، ولكن يبقى هذا الأثر محدودا بسبب هيمنة تكاليف الأسمدة والبذور المستوردة والعمالة.
ظاهرة “الجمود السعري”
يشير محمد إلى أن التضخم في سورية أصبح بنيوياً، والتجار يرفعون الأسعار بسرعة مع أي ارتفاع في المحروقات أو الدولار، لكنهم يقاومون خفضها بشدة عند التراجع، وهذا السلوك الاحتكاري-الدفاعي يخلق جمودا سعريا، حيث يتمسك التاجر بأسعاره المرتفعة بحجة أنه يعوض خسائر سابقة أو يتوقع ارتفاعات مستقبلية، وبالتالي، لن تنخفض أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق، بل سنشهد فقط انخفاضا في معدل التضخم، أي إن الأسعار سترتفع بوتيرة أبطأ مما كانت عليه.
حالة الاقتصاد السوري النفسية
يرى أستاذ المصارف أن سعر الدولار في السوق الموازية هو المُرجع الأهم، فطالما أن سعر الصرف الموازي ما زال أعلى بكثير من قيمته قبل الأزمة، وحالة عدم اليقين مستمرة، فإن أي انخفاض في المشتقات النفطية سيُفسر من قبل السوق على أنه مؤقت، ولن يُترجم إلى انخفاض دائم في الأسعار النهائية.
وخلص محمد في رأيه الأكاديمي إلى أن قرار تخفيض أسعار المحروقات يُصنف كقرار إدارة أزمة أكثر منه كإصلاح تسعيري، ويعكس متغيرات ظرفية (كتراجع طفيف في نكلفة الاستيراد)، في معادلة سعرية جامدة لا تعكس حساسية كاملة للتغيرات الإيجابية، بسبب ثقل التكاليف الثابتة والمخزونات المرتفعة السعر.
ومن منظور أكاديمي، يرى أنه لا يمكن التعويل على آلية التسعير الحالية لتحقيق استقرار حقيقي في المستوى العام للأسعار، لأنها تفتقر إلى الشفافية في إعلان معادلة الربط بين سعر الصرف المرجعي وتكلفة الاستيراد الفعلية. والأهم من ذلك، فإن إحداث تغيير ملموس في الأسواق السورية مرهون ليس بانخفاض تكلفة الطاقة ففط، بل بمعالجة السبب الجذري، وهو ضبط سوق الصرف الموازي عبر إجراءات نقدية وتجارية موثوقة، وكسر احتكارات المستوردين التي تعزز ظاهرة الجمود السعري، وبغير ذلك، سيبقى أثر التخفيضات سطحياً، ويمنح تخفيفاً آنياً على المستويين النفسي والمعيشي المباشر، من دون أن يوقف مسيرة التآكل البطيء والمستمر في القوة الشرائية للمواطن.








