المزيد

‫آخر الأخبار:‬

إصلاح ضريبي بلا جباية.. هل تنجح سوريا في بناء نظام تنموي؟

‫شارك على:‬
20

‏‏لا يبدو الإصلاح الضريبي في سوريا مجرد عملية لتعديل معدلات أو استبدال قوانين بأخرى، بل اختبار أوسع لقدرة السياسة المالية على بناء علاقة مختلفة بين الدولة والمكلف، تقوم على البساطة والعدالة والثقة، وفي الوقت نفسه تؤمّن للدولة الإيرادات اللازمة لتمويل خدماتها ومسار التعافي الاقتصادي.

‏وتأتي هذه المعادلة في وقت تطرح فيه وزارة المالية تصوراً لنظام ضريبي جديد يقوم على التبسيط والعدالة والتنافسية والحيادية، مع إعادة هندسة الإجراءات والتحول الرقمي وإشراك المكلفين وقطاع الأعمال والأكاديميين في مسار الإصلاح.

‏وكانت وزارة المالية قد نظمت بالتعاون مع صندوق النقد الدولي ورشة عمل مغلقة حول آفاق النظام الضريبي الجديد، بمشاركة خبراء من الصندوق ووزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم وممثلين عن قطاع الأعمال والأكاديميين. وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن التوجه يستهدف بناء نظام يخدم الاقتصاد ولا يقوم على الجباية كغاية، مع مراعاة محدودي الدخل والصناعيين وتحفيز الإنتاج، بالتوازي مع إعادة هندسة الإجراءات والتحول الرقمي وتطوير القوانين.

‏إعادة البناء قبل الرقمنة

‏الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر يرى في تصريح لـ«الوطن» أن التوجه المعلن يحمل من حيث المبدأ تصوراً طموحاً لنظام ضريبي جديد، وخصوصاً لجهة التركيز على التبسيط والعدالة والتنافسية والحيادية، معتبراً أن الانتقال من النظام الجبائي التقليدي إلى نظام ضريبي تنموي ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في المالية العامة، حيث لا ينظر إلى الضريبة باعتبارها مجرد وعاء لتمويل الإنفاق العام، وإنما أداة يمكن استخدامها لتحفيز سلوكيات اقتصادية معينة ودعم الاستثمار والإنتاج.

‏ويشير اسمندر إلى أن العمل على إعادة هندسة الإجراءات قبل أتمتتها يمثل نقطة إيجابية، باعتبار أن منهجية إعادة هندسة العمليات BPR تقوم على تحسين كفاءة الإجراءات أولاً ثم الانتقال إلى رقمنتها، لأن نقل إجراءات معقدة إلى نظام إلكتروني لا يعني بالضرورة الوصول إلى إدارة ضريبية أكثر كفاءة.

‏ويضيف إن التحول الرقمي يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في خفض التكاليف الإدارية وتوسيع القاعدة الضريبية والحد من فرص الفساد والتهرب، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية مستقرة وكوادر مؤهلة وقدرة مؤسسية على إدارة النظام الجديد.

‏الضريبة لا يمكن أن تتخلى عن الجباية

‏لكن اسمندر يرى أن إعلان الوزارة أن النظام الجديد «ليس هدفه الجباية» يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن الوظيفة الأساسية لأي نظام ضريبي تبقى تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل الخدمات العامة والإنفاق الحكومي.

‏ويعتبر أن المشكلة ليست في وجود الوظيفة الجبائية، وإنما في طريقة ممارستها، مشيراً إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينقل الجباية من كونها عبئاً غير واضح على المكلف إلى عملية أكثر عدالة وشفافية وارتباطاً بالقدرة التكليفية والنشاط الاقتصادي.

‏ويحذر من أن الخطاب الذي ينفي الوظيفة الجبائية بصورة كاملة قد يخلق توقعات لدى المكلفين يصعب تحقيقها لاحقاً، بينما المطلوب هو بناء توازن واضح بين حق الدولة في الإيرادات وحق المكلف في نظام مفهوم وعادل.

‏العدالة تبدأ من هيكل الضرائب

‏ويرى الباحث أن الحديث عن النظام الضريبي الجديد لا يزال يحتاج إلى إجابات واضحة حول هيكل المعدلات المقترحة وأنواع الضرائب المستهدفة، وما إذا كان التوجه سيعتمد بصورة أكبر على ضرائب الدخل أو الاستهلاك أو الثروة، إضافة إلى الأوزان النسبية لكل نوع وكيفية التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي.

‏ويشير إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل تحدياً رئيساً أمام أي إصلاح ضريبي، لأن توسيع القاعدة الضريبية لا ينبغي أن يعني زيادة الأعباء على المكلفين النظاميين فقط، وإنما الوصول إلى النشاطات الاقتصادية التي بقيت خارج المنظومة الرسمية.

كما أن التبسيط، برأيه، ليس مسألة تقنية يمكن حلها بإلغاء بعض الإجراءات أو رقمنتها، وإنما يحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة بين عدد من الجهات الحكومية وإزالة التداخلات والتعقيدات البيروقراطية التي تراكمت خلال سنوات طويلة.

‏من يدفع العبء الأكبر؟

‏ويؤكد اسمندر أن اختبار العدالة الضريبية سيكون في نهاية المطاف عند توزيع العبء بين شرائح المجتمع، لافتاً إلى أن النظام الحالي يجمع بين ضرائب مباشرة ذات طابع تصاعدي على الدخل وضرائب غير مباشرة على الاستهلاك، وهي ضرائب يمكن أن يكون أثرها أكثر ثقلاً على أصحاب الدخول المحدودة.

‏ومن هنا، فإن أي حديث عن العدالة الضريبية لا يكتمل من دون معالجة هذا التناقض، حيث لا يتحول توسيع الإيرادات الضريبية إلى زيادة في الاعتماد على الضرائب التي يتحمل المواطن عبأها بصورة مباشرة عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

‏الشركات العائلية أمام اختبار جديد

‏ويلفت اسمندر إلى أن القضايا المرتبطة بالشركات العائلية تحتاج إلى معالجة أكثر تفصيلاً مما ورد في الطرح المعلن، نظراً للأهمية الاقتصادية لهذا النوع من الشركات في سوريا.

‏ويشير إلى ضرورة وضع قواعد واضحة لتسعير المعاملات بين الأطراف المرتبطة، إلى جانب الفصل بين الذمة المالية للشركة وذمة المالك، لأن غياب هذه القواعد قد يخلق مساحات واسعة للالتباس الضريبي ويضعف قدرة الإدارة على تحديد الوعاء الحقيقي للنشاط الاقتصادي.

‏المشكلة ليست في القانون وحده

‏ويضع اسمندر فجوة التنفيذ في صلب التحديات التي يمكن أن تواجه الإصلاح، موضحاً أن التحول الرقمي وإعادة هندسة الإجراءات يحتاجان إلى حد أدنى من الاستقرار في البنية التحتية والتمويل والكوادر البشرية.

‏ويشير إلى أن الواقع السوري يفرض تحديات إضافية تتعلق بالتضخم وتضرر البنية التحتية ونزيف الكفاءات وعدم استقرار العديد من المؤشرات الاقتصادية، وبالتالي فإن أفضل القوانين والتوصيات قد لا تحقق أهدافها إذا لم تترافق مع قدرة مؤسسية حقيقية على التطبيق والمتابعة والتقييم.

‏صندوق النقد.. خبرة يجب تكييفها

‏ويعتبر اسمندر أن مشاركة صندوق النقد الدولي في الورشة تحمل دلالة إيجابية من ناحية الاستفادة من المساعدة الفنية والخبرات الدولية والممارسات الحديثة في الإدارة الضريبية، لكنه يشدد على ضرورة عدم التعامل مع هذه الخبرات باعتبارها وصفات جاهزة قابلة للنقل كما هي إلى الاقتصاد السور

ويشير في هذا السياق إلى أهمية الحذر من زيادة الاعتماد على ضرائب الاستهلاك، لما قد تحمله من آثار تنازلية، مؤكداً أن أي توصية دولية يجب أن تخضع أولاً لاختبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية السورية وقدرة المواطن على تحمل أعباء إضافية.

‏الثقة هي المؤشر الأهم

‏وفي المحصلة، يرى اسمندر أن نجاح الإصلاح الضريبي لن يقاس فقط بعدد القوانين الجديدة أو حجم الخدمات التي ستتم رقمنتها، وإنما بمدى قدرة النظام الجديد على بناء الثقة بين الإدارة والمكلف.

‏فالمطلوب، وفق هذا التصور، نظام يعرف المكلف من خلاله ماذا يدفع ولماذا يدفع، وتعرف الدولة من خلاله حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي وتستطيع تحصيل إيراداتها بعدالة وكفاءة.
‏وبين الحاجة إلى تمويل الدولة والحاجة إلى حماية الاقتصاد والمواطن، تقف سوريا أمام اختبار دقيق: هل تستطيع بناء ضريبة تمول التعافي من دون أن تعرقل التعافي نفسه؟

‏وهو اختبار لن تحسمه الورشات أو القوانين وحدها، بل ستحدده في النهاية قدرة النظام الجديد على تحويل الضريبة من عبء إداري ومالي إلى جزء من سياسة اقتصادية أوسع تشجع الإنتاج والاستثمار وتوسع النشاط الرسمي وتضمن للدولة إيرادات مستدامة