المزيد

‫آخر الأخبار:‬

استثمارات الطاقة..  ما كلفة الشراكة؟

‫شارك على:‬
20

لا يوجد نموذج استثماري هو الأفضل دائماً، فالاختيار يتحدد بطبيعة المشروع، ومن يتحمل مخاطره، ومن أين تأتي إيراداته، وفق ما يراه الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم. لكن الخطر الأكبر على سوريا ليس اختيار النموذج الخاطئ، بل توقيع عقد ضعيف تحت ضغط الحاجة إلى المال، في اقتصاد تعادل احتياجات إعادة إعماره نحو عشرة أضعاف ناتجه المحلي.

تمويل سريع والتزامات طويلة

في نموذج الامتياز طويل الأجل، تموّل الشركة المشروع وتشغله وتحصل على إيراداته لفترة تمتد عادة بين 20 و30 عاماً، وتتمثل ميزته في أنه يجلب رأس المال بسرعة ويضع مخاطر التنفيذ على المستثمر، وقد بدأت سوريا استخدمه في مطار دمشق الذي تبلغ كلفة توسعته نحو 4 مليارات دولار.

لكن عيبه أن الدولة قد تتنازل عن جزء كبير من إيراداتها لعقود، وأن العقد العادل اليوم قد يصبح مجحفاً بعد عشر سنوات ويصعب تعديله، وقد يتحول صاحب الامتياز إلى محتكر لخدمة أساسية.

تقاسم رأس المال والمخاطر

وفي الشراكة المباشرة مع الدولة، يتقاسم الطرفان رأس المال والأرباح والمخاطر، فتحتفظ الدولة بحصتها وبدورها في الإدارة وتكتسب الخبرة، كما كان حال قطاع النفط السوري قبل 2010 حين كان يحقق أكثر من 3 مليارات دولار سنوياً ويموّل نحو ربع الموازنة.

لكن المخاطر هنا تتمثل في تضارب المصالح، والتدخل الإداري، وخطر أن تتحمل الدولة الخسائر بينما يحصل الشريك على العائد، إضافة إلى صعوبة التقييم العادل لما يقدمه كل طرف.

التزامات قد لا تظهر فوراً

أما الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فليست خصخصة بالضرورة، إذ تبني الشركة المشروع وتديره لفترة محددة ثم يعود الأصل غالباً إلى الدولة.

لكن أخطر ما فيها، بحسب عبد الكريم، الالتزامات الخفية، ويوضح مثال افتراضي حجم هذه الالتزامات، فمحطة بقدرة 1,000 ميغاواط تعمل بنسبة 70 بالمئة من طاقتها تنتج نحو 6.1 مليارات كيلوواط ساعي سنوياً.

ولو تعهدت الدولة بشرائها بسعر 0.10 دولار للكيلوواط ساعي لمدة 20 عاماً، فهي تلتزم بدفع نحو 610 ملايين دولار سنوياً، أي أكثر من 12 مليار دولار على مدى العقد.

وإذا باعت هذه الكهرباء للمواطن بنحو 0.055 دولار، فستخسر نحو 275 مليون دولار سنوياً، أي أكثر من 5 مليارات دولار خلال عشرين عاماً، من دون أن يظهر ذلك في أرقام الدين العام يوم التوقيع.

وإذا كان العقد بالدولار وتراجعت الليرة بنسبة 20 بالمئة، ترتفع كلفة الالتزام بالليرة بنحو 25 بالمئة تلقائياً. لذلك، يجب التفريق بين أن يدفع المستثمر كلفة المشروع وأن يتحمل مخاطره فعلاً، فإذا ضمنت له الدولة السعر والكمية وسعر الصرف، تكون قد اقترضت بصيغة غير مرئية.

ما النموذج الأقرب إلى المصلحة السورية؟

ويرى عبد الكريم أن المنطق الأقرب إلى المصلحة السورية هو أن تحتفظ الدولة بملكية النفط والغاز لأنهما ثروة سيادية، وتستعين بالشركات بعقود خدمة أو تقاسم إنتاج.
أما الشراكات مع القطاع الخاص في محطات الكهرباء، فينبغي استخدامها بشرط احتساب كلفتها على الموازنة لعشرين عاماً قبل التوقيع، وأن تُدار الشبكات بعقود مرتبطة بأهداف قابلة للقياس، مثل تقليص الهدر بنسبة محددة خلال مدة محددة.

الحوكمة أهم من النموذج

لكن الحوكمة، بحسب عبد الكريم، أهم من النموذج نفسه، وتحتاج إلى مناقصات تنافسية بدل التفاوض المغلق، ونشر العقود أو شروطها الأساسية، وتوزيع عادل للمخاطر، ورقابة مستقلة على التنفيذ، ووضوح في ملكية الأصول والتعرفة على المواطن وطريقة حل النزاعات.

والحوكمة الجيدة ليست شرطاً أخلاقياً فقط، بل شرط للحصول على التمويل الأرخص من المؤسسات الدولية، كمنحة البنك الدولي البالغة 146 مليون دولار لقطاع الكهرباء.
ويحذّر عبد الكريم من أن جذب استثمار كبير بسرعة، من دون هذه الضوابط، قد يترك لسوريا عقوداً يصعب إصلاحها لعقود.

الاستثمار المنتج لا يكفيه رأس المال

وفي النهاية، فإن الانفتاح الاقتصادي يصبح فرصة عندما يتحول رأس المال والتكنولوجيا المستوردة إلى قدرة إنتاجية داخل سوريا، وليس عندما يقتصر على فتح السوق السورية أمام مزيد من السلع المستوردة.