تعد البطالة اليوم واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه سورية، ليس فقط بسبب ارتفاع أعداد الباحثين عن العمل، بل بسبب تأثيرها المباشر في الاستقرار الاجتماعي والمعيشي وفي مستقبل فئة الشباب بشكل خاص.
الفجوة بين السوق وقدرة الاقتصاد على التشغيل
أوضح أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان في حديثه لـ”الوطن” أنه بعد سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، تراجع الإنتاج وضعفت الاستثمارات وتضررت قطاعات واسعة كانت تشكل مصدراً رئيسياً لفرص العمل، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين سوق العمل والقدرة الحقيقية للاقتصاد على توليد فرص منتجة ومستقرة.

ولفت إلى تقديرات وتقارير اقتصادية مختلفة تشير إلى ارتفاع معدلات البطالة في سورية بشكل كبير، مع نسب مرتفعة جداً بين الشباب والخريجين، في ظل فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، بالإضافة إلى استمرار هجرة الكفاءات والخبرات إلى الخارج بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً وفرص أفضل للنمو والإنتاج.
البطالة الأخطر
ويرى أستاذ إدارة الأعمال أن المشكلة في سورية لم تعد تقتصر على البطالة الظاهرة فقط، بل ظهرت بشكل خطير أيضاً البطالة المقنعة، والتي تعد في كثير من الأحيان أخطر من البطالة التقليدية نفسها، لأنها تستنزف المؤسسات والاقتصاد بصمت، وتضعف الإنتاجية وتقتل روح المبادرة والإنجاز.
وقال: الحقيقة أن جزءاً كبيراً من هذه المشكلة يعود إلى السياسات والآليات التي رسخها النظام الإداري القديم لعقود طويلة، حيث لم تكن إجراءات التوظيف والاختيار تعتمد بشكل حقيقي على الكفاءة والمهارة والإنتاجية، بقدر ما تأثرت بالمحسوبيات والعلاقات الشخصية والولاءات والاعتبارات الشكلية.
وأشار حمدان إلى أن هذا النهج ساهم تدريجياً في تضخم الجهاز الإداري وخلق بيئات عمل غير منتجة داخل عدد من المؤسسات، ما أدى إلى وضع أشخاص غير مناسبين في مواقع حساسة، وتهميش كثير من الكفاءات الحقيقية، وضعف ثقافة الإنجاز والمحاسبة، وانتشار الروتين والبيروقراطية، وتراجع الجرأة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
عقليات الماضي لا تزال حاضرة
ويعتبر حمدان أن الأخطر هو أنه ما زال جزءاً من هذه العقليات الإدارية ما مستمراً حتى اليوم داخل بعض المؤسسات، حيث لا تزال بعض الشخصيات تحمل ذهنية النظام الإداري القديم، وهي غير قادرة على التكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة أو تقبل التغيير والتطوير، ففي الوقت الذي تحتاج فيه سورية إلى السرعة والمرونة والتحول الرقمي وجذب الاستثمار والكفاءات، لا تزال بعض المؤسسات تدار بعقلية التعقيد بدل التسهيل، والخوف من القرار بدل تحمل المسؤولية، ومقاومة التغيير بدل دعمه، وحماية المواقع الإدارية بدل تحقيق الإنجاز، ورفض الكفاءات الجديدة خوفاً من المنافسة أو فقدان النفوذ.
التأثير على الاستثمار والكفاءات
وشدد أستاذ إدارة الأعمال على أن هذا الأمر لا يؤدي فقط إلى إضعاف الأداء، بل يساهم بشكل مباشر في إفشال بعض المؤسسات وطرد الكفاءات وتعطيل الاستثمار واستنزاف وقت المواطنين ورجال الأعمال، لأن المستثمر أو الكفاءة البشرية لا يستطيعان العمل داخل بيئة يغلب عليها الروتين والبطء وغياب القرار الواضح.
كما أن جزءاً من العاملين اليوم، رغم وجودهم ضمن وظائف رسمية، يعيشون فعلياً حالة من البطالة غير المعلنة بسبب تدني الأجور وضعف الحوافز وغياب بيئة العمل الفعالة، أو العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم.
ويرى حمدان أن هنا تظهر المفارقة الأخطر، إذ لدينا بطالة مرتفعة من جهة، وفي الوقت نفسه نقص في الكفاءات الحقيقية في بعض القطاعات من جهة أخرى، ما يكشف أن الأزمة ليست أزمة وظائف فقط، بل أزمة إدارة واكتشاف واستثمار للكفاءات البشرية.
إصلاح الإدارة قبل أي شيء آخر
أما الحلول برأي خبير الإدارة فلم تعد تحتمل التأجيل، وأي مشروع حقيقي للتعافي الاقتصادي يجب أن يبدأ من إصلاح الإدارة قبل أي شيء آخر، ويتطلب ذلك اعتماد معايير واضحة للكفاءة في التوظيف والتعيين، ومحاربة المحسوبيات والبيروقراطية، وإبعاد العقليات الإدارية التي لا تزال تحمل ذهنية النظام القديم وغير القادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة من مواقع اتخاذ القرار.
كما يجب إعطاء الفرصة للكفاءات الشابة والخبرات القادرة على العمل والإنجاز، وربط الترقيات والإنجاز بالإنتاجية لا بالأقدمية فقط، وإعادة تأهيل وتدريب الكوادر البشرية، وربط الجامعات والتعليم باحتياجات السوق، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها من أكبر مولدات فرص العمل، وخلق بيئة جاذبة للكفاءات السورية في الداخل والخارج، وتبسيط الإجراءات الإدارية لتشجيع الاستثمار والإنتاج.
إعمار الحجر قبل إعمار العقلية
وخلص حمدان إلى التأكيد أن سورية اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة إعمار الإدارة والعقلية الاقتصادية أيضاً، لأن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق بكثرة الموظفين، بل بوجود أشخاص قادرين على الإنتاج وصناعة القيمة وتحمل المسؤولية. فالثروة الحقيقية للدول الحديثة لم تعد فقط بالنفط أو الموارد الطبيعية، بل بالعقول القادرة على الإدارة والابتكار وصناعة الحلول. والدول التي تنجح في اكتشاف كفاءاتها والاستفادة منها هي الأقدر على بناء اقتصاد قوي ومستقر ومستدام.








