يفتح التحول نحو الدفع الإلكتروني في سوريا باباً أوسع أمام الرقابة على حركة الأموال، إذ إن الانتقال من التعامل النقدي إلى العمليات الإلكترونية لا يغيّر أداة الدفع فحسب، بل يترك سجلاً يمكن تتبعه، ويمنح الجهات المعنية قدرة أكبر على معرفة مسار الأموال وحركة الحسابات، ولا سيما في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم يرى في حديثه لـ”الوطن” أن المنطق بسيط، فالورقة النقدية لا تحمل اسماً ولا تاريخاً ولا وجهة، وإذا انتقلت مليون ليرة من يد إلى يد، فلا يعرف أحد شيئاً عنها، بينما تترك العملية الإلكترونية سجلاً يتضمن هوية الدافع والمستفيد والمبلغ والتاريخ والساعة والمكان وأداة الدفع.
وبحسب عبد الكريم، ربط النظام هذا الأمر بالمعايير الدولية بصورة صريحة، إذ تشمل متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب القوانين والمراسيم النافذة، وتعليمات هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمعايير الدولية الصادرة عن مجموعة العمل المالي «FATF» وتحديثاتها.
وغسل الأموال هو تمرير عائدات متحصلة من نشاط غير مشروع عبر سلسلة عمليات بهدف إخفاء مصدرها، فيما تُعد مجموعة العمل المالي هيئة دولية أنشأتها مجموعة السبع عام 1989، وتصدر 40 توصية تشكل مرجعاً عالمياً في هذا المجال.
القائمة الرمادية وكلفة التعاملات الخارجية
وتكتسب هذه المنظومة أهمية إضافية بالنسبة لسورية، التي لا تزال ضمن القائمة الرمادية، أي قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المشددة، والتي ضمت 22 دولة في آخر اجتماع للمجموعة في حزيران 2026، بينها فنزويلا واليمن وجنوب السودان.
ويشير عبد الكريم إلى أن أثر القائمة الرمادية هنا ليس سياسياً بل تشغيلياً، إذ تطبق المصارف المراسلة حول العالم العناية الواجبة المشددة تلقائياً على الدول المدرجة والمصرف المراسل هو المصرف الأجنبي الذي يفتح حساباً لمصرف سوري لتمكينه من التعامل بالدولار.
وتشير الدراسات الدولية إلى أن الإدراج على القائمة الرمادية يخفض التدفقات الاستثمارية الوافدة بنسبة 3% إلى 7.6% من الناتج المحلي، ويرفع كلفة التحويل الخارجي بنسبة 20% إلى 40%.
وبالنسبة لسوريا، التي تبلغ وارداتها 3.87 مليارات دولار وصادراتها 1.5 مليار دولار، فإن ذلك يعني عبئاً سنوياً يقدّر بمئات الملايين من الدولارات على فاتورة التجارة وحدها.
تربط المعلومات المالية
ولفت عبد الكريم إلى أنه لم يكتف النظام بإدخال المعاملات الإلكترونية ضمن دائرة الرقابة، بل أضاف خدمتين يمكن أن توسعا القدرة على الوصول إلى المعلومات المالية، هما خدمة معلومات الحساب وخدمة بدء الدفع.
وتتيح خدمة معلومات الحساب الاطلاع على معلومات الحساب والمعاملات نيابة عن العميل وبموافقته لدى مقدم خدمة آخر، بينما تتيح خدمة بدء الدفع للعميل تفويض جهة بالبدء بأمر دفع من حسابه لدى جهة أخرى.
وتشكل الخدمتان معاً ما يسمى “المصرفية المفتوحة”، ومعناها العملي أن الصورة المالية للعميل لم تعد مبعثرة بين مؤسسات لا يتواصل بعضها مع بعض، بل يمكن ضمن الموافقات والأطر التي حددها النظام، ربط المعلومات المتعلقة بالحسابات والمعاملات بين مقدمي الخدمات المالية.
الرقابة وحجم الاستخدام
يعني ذلك بحسب عبد الكريم أن كل حركة مالية تدخل المنظومة الإلكترونية تترك معلومات عن أطرافها وقيمتها وتوقيتها ومكانها وأداة الدفع المستخدمة، ما يوفر أساساً أكبر لتتبع حركة الأموال ومراجعة العمليات مقارنة بالنقد الذي يمكن أن ينتقل بين الأشخاص من دون سجل مماثل.
لكن عبد الكريم يربط أهمية هذه الأدوات بحجم استخدام الدفع الإلكتروني نفسه، لأن قدرتها على تعزيز الرقابة ترتبط بالأموال التي تدخل فعلياً إلى المنظومة الرقمية.
ومن هنا، فإن قيمة الدفع الإلكتروني لا تقتصر على استبدال الورقة النقدية ببطاقة أو محفظة إلكترونية، وإنما تمتد إلى تكوين سجل لحركة الأموال، وربط الحسابات والمعاملات بين مقدمي الخدمات، وتوفير أدوات تساعد في تطبيق متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع بقاء حجم النشاط الذي ينتقل فعلياً من التعامل النقدي إلى القنوات الرقمية عاملاً حاسماً في مدى فاعلية هذه الرقابة.









