لم يعد قرار رفع أسعار المشتقات النفطية محصوراً في فاتورة الوقود أو أجور النقل، بل بدأ يمتد إلى كامل تكاليف الحياة.
فحين ترتفع كلفة نقل السلعة من المستورد أو المنتج إلى التاجر، ثم إلى المستهلك، يصبح تثبيت سعرها القديم شبه مستحيل، بينما يواجه المستهلك في المقابل دخلاً لا يرتفع بالسرعة نفسها.
هذا ما أكده عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق في تصريح لـ “الوطن” موضحاً أن حجم الزيادة بأنه أكبر من المتوقع، رغم إدراكه أن أسعار المشتقات النفطية تأثرت بارتفاعات خارجية، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في اتساع أثر القرار على مختلف مفاصل الحياة، وليس في سعر المحروقات بحد ذاته… وبالتالي فإن مطالبة التاجر بالحفاظ على السعر السابق، من دون معالجة ارتفاع عناصر الكلفة، قد تدفع بعض الأنشطة إلى تقليص هامشها أو خفض حجم التداول أو حتى الخروج من السوق.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية: ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن التاجر هو من صنع الارتفاع. فالتاجر نفسه يشتري وينقل ويخزن ويدفع أجوراً ونفقات تشغيل، وكل زيادة في هذه الحلقات تنعكس في النهاية على السعر النهائي.
لكن في المقابل، لا يعني ارتفاع الكلفة فتح الباب أمام زيادات غير مبررة. فالسوق تحتاج إلى تسعير شفاف يوضح للمستهلك أين ذهبت الزيادة، ويمنع استغلال قرار المحروقات لرفع أسعار السلع بأكثر من مقدار الزيادة الفعلية في كلفتها.
التاجر لا يحدد السعر من فراغ
وأشار الحلاق إلى أن الارتفاعات الكبيرة، التي وصلت في بعض الحالات إلى مستويات تقارب 30 و40 بالمئة وفق توصيفه، خلقت عبئاً إضافياً على المواطنين، وخصوصاً مع اقتراب الشتاء وما يرافقه من احتياجات للتدفئة ومستلزمات معيشية إضافية.
ويضرب مثالاً على ذلك بالخدمات المهنية؛ فالطبيب يواجه ارتفاعاً في نفقات عيادته ومستلزمات حياته، وكذلك المحامي والصيدلاني والمدرسة وغيرها من القطاعات، ما يجعل انتقال الزيادة إلى أسعار الخدمات والسلع نتيجة مرتبطة بارتفاع كلفة العمل والمعيشة.
الرقابة لا تكفي!
يرى الحلاق أن التعامل مع النتائج عبر الرقابة على الأسعار وحدها لا يكفي، في ظل تبني اقتصاد السوق وحرية العمل والتنافسية. ولذلك يطرح الحاجة إلى شبكات حماية اجتماعية قادرة على مساعدة الفئات غير القادرة على العمل، إلى جانب الحفاظ على أسعار مقبولة للسلع الغذائية الأساسية.
ومن الإجراءات التي يقترحها تخفيف الرسوم والضرائب على عدد من المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز والسكر والشاي وبعض الأغذية المستوردة، مستشهداً بتجارب إقليمية تُفرض فيها رسوم جمركية صفرية على بعض السلع الأساسية.
لكن الحلاق يؤكد أن الخروج من هذه الدوامة يحتاج إلى قرارات مبنية على أرقام وإحصائيات ومعطيات واضحة، وإلى تفكير خارج الصندوق يوازن بين احتياجات الحكومة والسوق والمواطن، مع إعطاء القطاع الخاص دوراً حقيقياً في تقديم الحلول والمشاركة في صياغتها.
فالمشكلة لم تعد في سعر المحروقات وحده، بل في قدرة الاقتصاد السوري على تحمل انتقال هذا السعر إلى كل حلقاته، وقدرة المواطن في النهاية على دفع الفاتورة.









