عاد سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار إلى الانخفاض تدريجياً بعد فترة من الاستقرار النسبي، إذ بلغ نحو 138 ليرة في السوق الموازية مقابل نحو 122 ليرة في السعر الرسمي.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد، يرى في حديثه لـ”الوطن” أن وصول الدولار إلى 138 ليرة في السوق الموازية يمثل تسعيراً لحالة عدم الثقة، موضحاً أن المشكلة لا تكمن في كمية الليرات المعروضة فقط، وإنما في غياب سبب مقنع للاحتفاظ بالليرة.
ويشير محمد إلى أن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي تعبر عن خلل بنيوي في سوق الصرف وآلية تسعير النقد الأجنبي، وأن فهم هذا التحول يتطلب النظر إلى العوامل الاقتصادية والمؤسسية والسلوكية التي تحكم الطلب على الدولار وعرضه.
حافز للمضاربة..
يؤكد محمد أن نظام سعر الصرف المزدوج يغذي المضاربة، إذ إن الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية يتجاوز 13%، ما يخلق حافزاً لتحويل الدولارات إلى السوق الموازية بدلاً من تسليمها للمصرف المركزي، فتتراجع قنوات العرض الرسمية في الوقت الذي ينتعش فيه السوق الموازية.
الاستيراد يرفع الطلب..
ويشير إلى أن الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد لا يزال مرتفعاً نتيجة اعتماد الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء والدواء والوقود والمواد الأولية، مقابل ضعف القدرة على التصدير وخلق النقد الأجنبي، وبالتالي فإن كل عملية استيراد تعني طلباً إضافياً على الدولار من دون تدفق مقابل بالقدر نفسه من الصادرات.
الثقة.. العامل الغائب
ويرى محمد أن ضعف الثقة بالمصرف خلال عملية استبدال النقدين القديم والجديد، إلى جانب تراجع الثقة بالجهاز المصرفي، دفع كثيرين إلى الاحتفاظ بالدولار أو السلع باعتبارها ملاذاً للقيمة ويؤكد أن هذا السلوك التوقعي يخلق ضغطاً ذاتياً على سعر الصرف حتى مع تشديد السيولة.
كما يشير إلى تراجع تدفقات الدولار من الخارج، لافتاً إلى أن التوترات الإقليمية، ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة، أثرت في تحويلات العمال السوريين من دول الخليج، كما حدّت من حركة التجارة والاستثمار، في وقت تمثل فيه هذه التحويلات مصدراً حيوياً للنقد الأجنبي.
وفي بيئة عدم اليقين، يتحول الدولار إلى أداة للادخار والمضاربة معاً، إذ تدفع توقعات استمرار التدهور التجار والمواطنين إلى شراء الدولار مسبقاً، ما يسرّع ارتفاعه الفعلي.
مدخل للاستقرار
يرى محمد أن استعادة الاستقرار تتطلب توحيد سعر الصرف تدريجياً وربطه بالسوق، مؤكداً أن الإبقاء على سعرين متباعدين لا يمكن أن يستمر. والحل، وفق رأيه، هو الانتقال إلى سوق صرف منظمة ومراقبة، يحدد فيها السعر وفق العرض والطلب، ضمن إطار يستطيع المصرف المركزي التدخل فيه عند الحاجة، بدلاً من تثبيت سعر لا يعكس الواقع.
ويؤكد أن استقرار سعر الصرف لا يُبنى بالقرارات، وإنما بتدفق الدولارات، ما يتطلب إحياء قطاعات التصدير، مثل النفط والغاز والمنتجات الزراعية، وتحسين بيئة الاستثمار لجذب التحويلات الخارجية إلى القنوات الرسمية.
كما يشدد على ضرورة إعادة بناء الثقة بالمصرف وبالليرة، لأن استمرار عدم الثقة يعني بقاء جزء كبير من السيولة خارج النظام المصرفي وفقدان أدوات السياسة النقدية فاعليتها، معتبراً أن استعادة الثقة تتطلب شفافية في التواصل، وضمانات حقيقية للودائع، واستقراراً في القواعد والقرارات.
تخفيف الطلب على الدولار
وفي جانب الطلب، يرى محمد أن ترشيد الاستيراد غير الضروري وتشجيع البدائل المحلية يمكن أن يخففا الطلب على الدولار على المدى القصير، لكنهما لا يغنيان عن الحلول الهيكلية.
أما الأدوات المؤقتة، ومنها صندوق دعم الليرة الذي أطلقته غرف التجارة، فيمكنها امتصاص جزء من الدولارات الموجودة في السوق وتخفيف المضاربة، لكنها تبقى إجراءات مساعدة وليست بديلاً من إصلاح نظام الصرف.
ويؤكد محمد أن الضبط الإداري قد يخفي السعر مؤقتاً، لكنه لا يخلق طلباً حقيقياً على العملة الوطنية، وأن استقرار الليرة السورية مرهون بأن يصبح السعر الرسمي سعراً يستخدمه الناس فعلاً، وأن يجد حامل الليرة عائداً حقيقياً ومقبولاً للاحتفاظ بها وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى أي استقرار في سعر الصرف هشاً وقابلاً للتراجع.






