مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الذهب في سورية… لماذا فقد دوره كملاذ آمن؟

‫شارك على:‬
20

يُنظر إلى الذهب عالمياً كأحد أهم أدوات حفظ القيمة والتحوط من التضخم، لكن تبدو الصورة مختلفة في سوريا، حيث فرضت خصوصية السوق المحلية وآليات التسعير وطبيعة الطلب واقعاً جعل الذهب أقرب إلى سلعة استهلاكية منه إلى أصل مالي. الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يستعرض في حديثه لـ”الوطن” الأسباب التي جعلت سوق الذهب السورية تفقد جزءاً كبيراً من وظيفتها التقليدية، موضحاً أبرز التشوهات التي تحكم حركة السوق وانعكاساتها على المواطنين.

سوق هجين يفقد الوظيفة الاستثمارية

يرى  قوشجي أن سوق الذهب في سورية ليس سوقاً نقدياً بالمعنى المتعارف عليه عالمياً، بل هو سوق هجين يجمع بين الزينة والادخار الاجتماعي من جهة، وبين التسعير العالمي من جهة أخرى، إلا أنه لا ينجح في أداء دوره الطبيعي كأداة للتحوط أو حفظ القيمة.

ويعزو ذلك إلى بنية التسعير المحلية، وارتفاع أجور الصياغة، وطبيعة الطلب، التي تجعل الذهب السوري أقرب إلى سلعة استهلاكية منه إلى أصل مالي.

كيف يُسعَّر الذهب في سوريا؟

يوضح قوشجي أن الذهب يُسعَّر وفق معادلة مركبة تربط بين السعر العالمي وسعر الصرف في السوق الموازية، ثم تُضاف إليها عوامل محلية تخرجه عن وظيفته الاستثمارية، وتعتمد معادلة التسعير على ثلاثة متغيرات عالية التقلب، هي السعر العالمي للأونصة، وسعر الصرف الموازي، ومعامل التسعير المحلي مضافاً إليه أجور الصياغة، الأمر الذي يجعل الذهب في سوريا أصلاً مرتفع الحساسية وقليل الكفاءة كأداة ادخار.

ويشير إلى أن  ارتفاع أجور الصياغة، إذ يُباع الذهب غالباً على شكل مصاغ، ما يعني أن المشتري يدفع قيمة الذهب إضافة إلى أجور الصياغة والنقل وهامش الربح، بينما لا يسترد عند إعادة البيع سوى قيمة الذهب الخام، فتضيع أجور الصياغة بالكامل، وهو ما يجعل الذهب غير مناسب للتحوط على المدى القصير أو المتوسط.

كما يلفت إلى أن غياب سوق السبائك بالجملة يمثل عائقاً آخر، فالسبائك تُعد الأداة الاستثمارية الحقيقية للذهب، إلا أن انتشارها في سورية ما يزال محدوداً لأسباب تنظيمية وأمنية ورقابية، ما يعني غياب الذهب كأصل مالي حقيقي.

ويضيف إن ارتباط الذهب بسعر الصرف في السوق الموازية، إلى جانب القيود المفروضة على الاستيراد وآليات التسعير، جعله تابعاً لتحركات الدولار أكثر من ارتباطه بالسوق العالمية، كما أن ضعف القدرة الشرائية جعل الطلب على الذهب يتركز في جانب الزينة والمناسبات الاجتماعية، وليس باعتباره وسيلة للادخار أو التحوط من التضخم.

مقارنة مع الدول المجاورة

ولفهم خصوصية السوق السورية، يقارن قوشجي بينها وبين أسواق الذهب في تركيا ولبنان، ففي تركيا تتوافر السبائك بسهولة، ويرتبط التسعير مباشرة بالسوق العالمية، كما أن أجور الصياغة منخفضة نسبياً، ما يجعل الذهب هناك أصلاً مالياً قبل أن يكون زينة.

أما في لبنان، فرغم الأزمة الاقتصادية، بقيت سوق السبائك نشطة، ويُباع الذهب ويُشترى بوصفه أداة ادخار حقيقية.

وتوضح هذه المقارنة أن المشكلة في سورية لا تكمن في الذهب نفسه، وإنما في بنية السوق وآليات التسعير التي تحول الذهب من أصل نقدي إلى سلعة استهلاكية.

ويبين قوشجي أن الذهب شكّل عبر آلاف السنين مخزن القيمة الأول في الحضارات القديمة، ثم أصبح قاعدة النظام النقدي العالمي حتى القرن العشرين، وكانت وظيفته الأساسية تتمثل في التحوط من التضخم، وحفظ الثروة عبر الزمن، وضمان استقرار العملة.

إلا أن الذهب، بحسب رأيه، فقد هذه الوظيفة في سوريا نتيجة التشوهات البنيوية في السوق، وارتباطه بسعر الصرف الموازي، وغياب أدوات الاستثمار الحقيقية وفي مقدمتها السبائك.

انعكاس الأسعار العالمية على السوق المحلية

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن انخفاض أسعار الذهب عالمياً لا ينعكس مباشرة على السوق السورية، لأن ارتفاع سعر الصرف الموازي قد يعوض هذا الانخفاض، بينما يؤدي ارتفاع الذهب عالمياً إلى زيادة الأسعار محلياً بصورة مضاعفة بسبب الحساسية الكبيرة لسوق الذهب تجاه الدولار. وبذلك يصبح الذهب في سوريا أكثر تقلباً من الذهب العالمي، وأقل قدرة على أداء دوره التقليدي في حفظ القيمة.

ويخلص قوشجي إلى أن الذهب المصاغ لا يُعد أداة ادخار حقيقية، لأن أجور الصياغة تُفقد المشتري جزءاً من قيمته عند إعادة البيع، في حين يبقى الذهب الخام أو السبائك الخيار الأفضل، لكنه غير متاح بسهولة في السوق المحلية.

كما أن الذهب في سوريا أصبح مرآة لتحركات سعر الصرف أكثر من كونه انعكاساً للأسعار العالمية، لذلك فإن أي استقرار في سعر الصرف ينعكس مباشرة على سوق الذهب، بينما يؤدي أي اضطراب إلى ارتفاع الأسعار حتى لو شهدت الأسواق العالمية انخفاضاً.

ويختتم بالتأكيد أن سوق الذهب في سوريا هو سوق زينة أولاً وسوق نقدي ثانياً، وأن التسعير المحلي، وارتفاع أجور الصياغة، وغياب سوق السبائك، كلها عوامل تحول دون قيام الذهب بدوره الطبيعي كأداة للتحوط أو مخزن للقيمة، ليبقى في جوهره انعكاساً لاختلالات الاقتصاد الكلي، وفي مقدمتها ضعف الثقة، وغياب الأدوات المالية، وسيطرة السوق الموازية على القرار الرسمي.

مواضيع: