مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بعد تراجع الإنتاج.. أكاديمي لـ “الوطن”: الحل في التمويل الإسلامي “الصغير”

‫شارك على:‬
20

‏‌‏في وقت تواجه فيه سوريا واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أن التمويل الصغير الإسلامي لم يعد خياراً إضافياً ضمن أدوات القطاع المالي بل تحول إلى مشروع إنقاذ اقتصادي واجتماعي قادر على الإسهام في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار إذا توفرت له البيئة التشريعية والتنظيمية المناسبة.

‏ويؤكد محمد في تصريحه لـ “الوطن” أن الأزمة التي أفرزت انهيار العملة وتآكل المدخرات وارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط الإنتاجي تفرض البحث عن أدوات تمويل جديدة تتجاوز مفهوم الإقراض التقليدي موضحاً أن التمويل الصغير الإسلامي لا يقدم المال فقط وإنما يقوم على فلسفة تنموية متكاملة تعتمد على المشاركة في الربح والخسارة والبيع الآجل والإجارة عبر صيغ مثل المرابحة والمشاركة المتناقصة والسلم وهي أدوات تبني شراكة حقيقية مع العميل وتنسجم مع طبيعة الاقتصاد السوري الذي يعتمد اليوم بصورة كبيرة على المشروعات متناهية الصغر والصغيرة.

‌‏ضرورة اقتصادية لا خياراً مالياً

‌‏ويقول محمد إن سوريا اليوم بحاجة ماسة إلى التمويل الصغير الإسلامي وإن هذه الحاجة تجاوزت مرحلة الاختيار لتصبح ضرورة حقيقية لعدة أسباب في مقدمتها معالجة مشكلة الاستبعاد المالي إذ إن شريحة واسعة من السوريين ولا سيما في المناطق الريفية وبين النازحين ترفض التعامل مع التمويل الربوي لأسباب دينية وأخلاقية الأمر الذي يحرمها من فرص التعافي الاقتصادي ويجعل التمويل الإسلامي بوابة لإعادة دمجها في الدورة الاقتصادية.

‏ويضيف إن طبيعة الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي المبكر تجعل صيغ التمويل الإسلامي الأكثر ملاءمة لأنها توفر حلولاً عملية لاحتياجات أصحاب المشروعات الصغيرة من خلال تمويل شراء المواد الأولية والمعدات ووسائل النقل بدلاً من تقديم سيولة نقدية قد تتجه إلى الاستهلاك بدلاً من الإنتاج.

‏ويشير إلى أن هذا الأنموذج يساهم أيضاً في التخفيف من حدة الفقر لأن فلسفته تقوم على المشاركة في المخاطر بدلاً من تحميل المقترض كامل الأعباء في حال التعثر وهو ما يجعله أداة للحماية الاجتماعية إلى جانب كونه أداة تمويل.

‌‏تمويل للإنتاج الحقيقي

‌‏ويرى محمد أن أهمية التمويل الصغير الإسلامي في دعم المشروعات الصغيرة تنبع من ارتباطه المباشر بالأصول الحقيقية وليس بمنح التمويل النقدي المطلق موضحاً أن المصرف عندما يشتري سلعة أو آلة لصالح العميل أو يؤجرها له فإنه يضمن توجيه التمويل نحو نشاط إنتاجي يخلق قيمة مضافة في الاقتصاد ويحد من التضخم الناتج عن ضخ السيولة دون إنتاج مقابل.

‏ويبين أن صيغ المشاركة تمنح المصرف دور الشريك الذي يسعى إلى نجاح المشروع عبر تقديم الدعم الفني والاستشاري والتسويقي بدلاً من الاكتفاء بدور الدائن الذي ينتظر استرداد أمواله الأمر الذي يرفع فرص نجاح المشروعات الصغيرة ويقلل احتمالات تعثرها.

‏كما يؤكد أن التمويل الإسلامي يرسخ منظومة أخلاقية في النشاط الاقتصادي لأنه يمنع تمويل الأنشطة الضارة أو غير الأخلاقية ويسهم في بناء قطاع أعمال صغير أكثر مسؤولية واستدامة.

‌‏طلب كبير

‌‏وحول مدى جاهزية السوق السورية لهذا النوع من التمويل يقول محمد إن السوق مهيأة من حيث حجم الطلب والفرص المتاحة لكنها تحتاج إلى عمل تأسيسي واسع على المستوى التشريعي والتنظيمي.

‏ويشير إلى وجود طلب كبير غير ملبى نتيجة تنامي الوعي بأهمية التمويل الإسلامي إلى جانب تزايد السخط من التمويل غير المنظم الذي يقدمه المرابون بفوائد مرتفعة فضلاً عن وجود شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة والعائلية الباحثة عن شركاء موثوقين وليس مجرد مقرضين.

‏وفي المقابل يلفت إلى أن أبرز العقبات تتمثل في غياب إطار قانوني خاص بالمصرفية الإسلامية والتمويل الأصغر الإسلامي إضافة إلى مشكلة الازدواج الضريبي الذي قد يرفع كلفة بعض الصيغ مثل المرابحة والإجارة فضلاً عن نقص أدوات إدارة السيولة الإسلامية وغياب الضوابط الشرعية الموحدة ونقص الكفاءات البشرية المتخصصة في هذا المجال.

‏المنافسة بالقيمة

‌‏وعن قدرة التمويل الصغير الإسلامي على منافسة مؤسسات التمويل الأصغر العاملة حالياً يؤكد محمد أنه سيكون قادراً على المنافسة والتفوق على المدى المتوسط والطويل رغم الصعوبات التي قد تواجهه في البداية.

‏ويوضح أن المنافسة السعرية قد تكون صعبة بسبب الأعباء الضريبية والتشغيلية التي تتحملها المنتجات الإسلامية مقارنة ببعض المؤسسات التقليدية المدعومة من جهات مانحة.

‏إلا أنه يرى أن نقطة القوة الحقيقية تكمن في القيمة التي يقدمها هذا النموذج، حيث تعاني السوق السورية من إرهاق الديون وتعثر عدد كبير من أصحاب المشروعات الصغيرة بينما يقوم التمويل الإسلامي على المشاركة في المخاطر وعدم فرض رسوم تأخير ربوية والتركيز على جدوى المشروع وأخلاقيات العميل وهو ما يعزز الثقة ويخلق علاقة طويلة الأمد بين المؤسسة التمويلية والعميل ‏مشدداً على أن مستقبل التمويل لن يكون للأرخص سعراً وإنما للأكثر عدالة ومرونة وقدرة على التعامل مع الأزمات.

‌‏الإعمار بدلاً من الإغاثة

‌‏ويعتبر محمد أن أحد أهم الأدوار المنتظرة للتمويل الصغير الإسلامي يتمثل في المساهمة بالانتقال من مرحلة الإغاثة الإنسانية إلى مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار من خلال تمويل سلاسل القيمة الزراعية والصناعات الحرفية ومشروعات الطاقة المتجددة الصغيرة.

‏ويؤكد أن هذا النموذج قادر على تحويل ملايين السوريين من متلقين للمساعدات إلى منتجين فاعلين داخل الاقتصاد بما يسهم في إعادة بناء رأس المال الاقتصادي والاجتماعي من القاعدة إلى القمة.

‏مشروع وطني

‌‏ويلخص محمد حديثه مع الوطن بالتأكيد على أن التمويل الصغير الإسلامي ليس منتجاً مالياً هامشياً وإنما مشروع إنقاذ وطني وفرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي بعد أن أثبت التمويل الربوي عجزه عن تحقيق تنمية عادلة وأسهم في تعميق الأزمات عبر التركيز على الإقراض الاستهلاكي والمضاربة.

‏ويضيف: إن التحديات التشريعية والتنظيمية لا تزال كبيرة وفي مقدمتها الحاجة إلى قوانين تحمي خصوصية العقود الإسلامية وتمنع الازدواج الضريبي وتوفر أدوات فاعلة لإدارة المخاطر إلا أن سوريا التي تحتاج اليوم إلى إعادة بناء الإنسان والاقتصاد معاً تحتاج أيضاً إلى نموذج تمويلي يقوم على العدالة والشفافية والشراكة ويربط التمويل بالإنتاج الحقيقي.

‏ويختم بالقول: إن الرهان على التمويل الصغير الإسلامي هو في جوهره رهان على مستقبل سوريا الإنتاجي والأخلاقي وهو أحد أهم ركائز أي استراتيجية جادة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.