المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المرافئ والمطارات.. بوابة عودة الاستثمار إلى سورية

‫شارك على:‬
20

لم تعد المرافئ والمطارات السورية مجرد خدمات غابت خلال سنوات الحرب، بل باتت مؤشراً على محاولة إعادة الاقتصاد السوري إلى خريطة التجارة الإقليمية والدولية، وتحويل هذه المنشآت من نقاط عبور إلى منصات متكاملة للأعمال والاستثمار.

وفي وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى خفض تكاليف التجارة وتحسين بيئة الأعمال واستقطاب الاستثمارات، تبرز أهمية استعادة النشاط التجاري واللوجستي في مرافئ طرطوس واللاذقية ومطار اللاذقية، باعتبارها جزءاً أساسياً من البنية التي تقوم عليها حركة الاستيراد والتصدير.

خفض التكلفة

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أكد في تصريح لـ«الوطن» أن عودة المقرات والمراكز التجارية إلى المرافئ والمطارات تحمل أهمية اقتصادية كبيرة، ولاسيما لجهة خفض تكاليف المعاملات التجارية وتسريع الإجراءات المرتبطة بحركة البضائع.

وأوضح أن وجود وكلاء الشحن والمستوردين والمصدرين وشركات التأمين والمصارف داخل هذه المنشآت يختصر الوقت والإجراءات، ويقلل الحاجة إلى التنقل بين المدن، بما يساعد على تسريع عمليات التخليص الجمركي والتمويل، ويخفض في النهاية التكلفة التي يتحملها المستورد والمصدر.

وأشار إلى أن هذا الأمر ينعكس مباشرة على تنافسية المنتجات السورية، إذ إن ارتفاع تكاليف النقل والتخليص والتمويل يمثل أحد العوامل التي تضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة في الأسواق الخارجية.

رسالة للمستثمر

ويرى محمد أن عودة هذه المراكز تحمل أيضاً دلالة تتجاوز الجانب اللوجستي، لأنها تشكل مؤشراً عملياً على تحسن بيئة الأعمال.

وبيّن أن رؤية شركات الشحن والتأمين والخدمات التجارية وهي تستعيد حضورها في المرافئ والمطارات يمكن أن تكون أكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين من التصريحات النظرية حول تحسن بيئة الاستثمار، لأنها تعكس وجود نشاط اقتصادي فعلي وتدعم الثقة بقدرة هذه المنشآت على استعادة دورها.

وأضاف إن عودة النشاط إلى هذه المواقع يمكن أن تفتح المجال أمام توسيع حركة الشحن وعودة خطوط النقل، بما يساعد على إعادة ربط سورية بشبكات التجارة الإقليمية والدولية.

استثمارات جديدة حول المرافئ

ولفت محمد إلى أن الأثر الاقتصادي لا يتوقف عند المرفأ أو المطار، إذ إن عودة النشاط التجاري تخلق طلباً متزايداً على مجموعة واسعة من الخدمات المرتبطة به، من النقل والتخزين والمستودعات إلى التبريد والصيانة والخدمات المصرفية والتأمين والخدمات القانونية والفندقية.

وهذا يعني أن استعادة النشاط في هذه المنشآت يمكن أن تتحول إلى محفز لاستثمارات جديدة في القطاعات اللوجستية والخدمية، ولاسيما أن تطوير هذه القطاعات يعد جزءاً أساسياً من تخفيض تكاليف التجارة وتحسين قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات.

البنية وحدها لا تكفي

ورغم أهمية هذه الخطوة، يؤكد محمد أن عودة المراكز التجارية إلى المرافئ والمطارات تمثل شرطاً ضرورياً لكنها ليست كافية لإطلاق نهضة اقتصادية حقيقية.

وأوضح أن المستثمر يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من القوانين الناظمة للاستثمار، ولا تنتهي عند توفر الخدمات اللوجستية، مروراً بإصلاح النظام المصرفي وتمكينه من توفير التمويل وفتح الاعتمادات بكفاءة، إضافة إلى تحقيق الاستقرار التشريعي والأمني.

وبحسب محمد، فإن توفير المنشآت والبنية اللوجستية يشبه توفير الأدوات اللازمة للعمل، لكن تحقيق النتائج الاقتصادية يتطلب في الوقت نفسه تحديث نظام التشغيل الذي يحكم هذه الأدوات، وإلا بقيت المرافئ والمطارات منشآت قائمة من دون أن تتحول إلى محركات فعلية للنمو.

من العبور إلى الإنتاج

المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط عدد الشركات التي تعود إلى المرافئ والمطارات، وإنما حجم النشاط الذي تستطيع هذه العودة توليده في الاقتصاد السوري.

فإذا نجحت هذه المنشآت في خفض تكلفة التجارة وتسريع حركة البضائع واستقطاب شركات وخدمات جديدة، فإنها يمكن أن تتحول إلى حلقات وصل حقيقية بين الإنتاج السوري والأسواق الخارجية، وإلى قاعدة لاستثمارات جديدة في النقل والتخزين والخدمات اللوجستية.

أما التحدي الأكبر فيبقى في ربط هذه العودة بإصلاحات مالية ومصرفية وتشريعية أوسع، بحيث لا تكون استعادة النشاط مجرد عودة إلى ما كان قائماً، وإنما خطوة نحو بناء بيئة أعمال أكثر كفاءة وقدرة على استقطاب الاستثمار وتحريك عجلة الإنتاج وإعادة الإعمار.