في وقت تتجه فيه سوريا إلى إعادة بناء اقتصادها وتهيئة بيئة أكثر قدرة على استقطاب التجارة والاستثمار وتحريك الإنتاج، تكتسب إعادة تفعيل البنية التحتية للنقل أهمية تتجاوز الجانب الخدمي، باعتبار المرافئ والمطارات إحدى الأدوات الأساسية لخفض تكاليف التجارة وربط الأسواق المحلية بالإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يفتح الاتفاق السوري الروسي بشأن استلام المواقع التجارية في مرفأ طرطوس وإعادة مطار اللاذقية إلى منظومة الطيران المدني باباً أمام فرص اقتصادية يمكن أن تمتد آثارها من قطاع النقل إلى الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة والاستثمار والخدمات.
وأوضح أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان لـ”الوطن”، أن لإعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك التوصل، بعد مباحثات سورية روسية، إلى اتفاق يقضي باستلام الجانب السوري المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي ضمن مرفأ طرطوس، بما فيها الرصيف رقم 4 والمستودعات والمنشآت التابعة له. وبالتوازي، إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي استلام مطار اللاذقية الدولي تمهيداً لإعادته إلى منظومة الطيران المدني الوطني، أهمية إدارية واقتصادية لا تتوقف عند استلام هذه الأصول، وإنما فيما يمكن أن تمثلاه للاقتصاد السوري في مرحلة يحتاج فيها إلى إعادة تنشيط الإنتاج والتجارة والاستثمار وخلق فرص العمل.

ويشير إلى أن المرافئ والمطارات ليست مجرد منشآت للنقل، وإنما بوابات اقتصادية للدولة، وكل تحسّن في كفاءتها يمتد أثره إلى قطاعات واسعة، من الصناعة والزراعة والتجارة إلى السياحة والاستثمار والخدمات.
مرفأ طرطوس ودعم التجارة
ويرى حمدان أن مرفأ طرطوس يمثل منفذاً مهماً لحركة الاستيراد والتصدير، وبالتالي فإن زيادة قدرته التشغيلية وتحسين كفاءته، يمكن أن يسهما في تسريع حركة البضائع وخفض زمن الانتظار والتخزين وتكاليف التجارة، وهو ما ينعكس في النهاية على المنتج والمستورد والمصدر والمستهلك.
وتأتي الأصول المستلمة في وقت يشهد فيه المرفأ مشروعاً للتطوير باستثمارات مخططة تبلغ 800 مليون دولار، ما يجعل دمج الرصيف والمستودعات والمنشآت المستلمة ضمن عملية التطوير فرصة لتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها.
مطار اللاذقية.. بوابة جديدة للنشاط الاقتصادي
ولا تعني إعادة تشغيل مطار اللاذقية إضافة وجهة جديدة للمسافرين فقط، بحسب حمدان، بل إعادة تفعيل بوابة جوية يمكن أن تخدم السياحة وحركة رجال الأعمال والاستثمار، وأن تفتح مستقبلاً مجالاً أوسع للشحن الجوي ونقل بعض المنتجات السورية إلى الأسواق الخارجية.
كما أن وجود مطار عامل في الساحل يوسّع خيارات الاتصال الداخلي والخارجي، ويزيد من جاذبية المنطقة للأنشطة الاقتصادية والسياحية والاستثمارية.
فرصة لتنشيط اقتصاد الساحل
ويرى حمدان أن الأثر الأسرع ظهوراً قد يكون في محافظتي طرطوس واللاذقية، فزيادة نشاط المرفأ والمطار، تعني زيادة الطلب على النقل والتخزين والشحن والتخليص والصيانة والفنادق والمطاعم والتجارة والخدمات، ما يخلق فرصاً جديدة أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما يمكن أن يستفيد القطاع الزراعي في الساحل من تحسّن خدمات النقل والشحن، وخاصة إذا جرى تطوير سلاسل تبريد وتعبئة وتخزين تساعد المنتجات الزراعية على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية بكفاءة أكبر.
بنية تحتية أكثر كفاءة
ويؤكد حمدان أن المستثمر لا يبحث فقط عن الأرض ورأس المال واليد العاملة، بل ينظر أيضاً إلى كفاءة البنية التحتية وقدرته على إدخال مستلزمات الإنتاج وإخراج منتجاته والوصول إلى الأسواق.
ومن هنا، فإن وجود مرفأ حديث ومطار عامل وشبكة نقل مرتبطة بهما يمكن أن يرفع من جاذبية الساحل للاستثمارات الصناعية والتجارية والسياحية واللوجستية، وأن يشجع على إقامة أنشطة اقتصادية جديدة حولهما.
أثر يمتد إلى الاقتصاد
ولا تتوقف الفائدة عند طرطوس واللاذقية، لأن البضائع التي تدخل عبر المرفأ والرحلات التي تصل إلى المطار والخدمات المرتبطة بهما تخدم حركة الاقتصاد على المستوى الوطني.
وكل تحسّن في كفاءة النقل والتجارة يمكن أن يسهم في خفض التكاليف، وزيادة الصادرات، وتنشيط الإنتاج، وتحسين الإيرادات العامة، وتعزيز ارتباط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والدولية.
وهنا تظهر فرصة ربما تكون أكبر من تشغيل المنشأتين بصورة منفصلة، تتمثل في التفكير في محور اقتصادي ولوجستي متكامل على الساحل السوري، يربط مرفأ طرطوس ومطار اللاذقية وشبكات الطرق والمناطق الصناعية والزراعية ومراكز التخزين والتوزيع.
الاستلام وحده لا يكفي
لكن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً بمجرد الاستلام، إذ إن المرحلة التالية تحتاج إلى إدارة جيدة تبدأ بتقييم الأصول وحالتها الفنية، وتحديد احتياجات التأهيل، ووضع جدول زمني للتشغيل، واستقطاب الاستثمارات والخبرات، وتبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، وربط كل ذلك بمؤشرات أداء واضحة، فالنجاح في المرفأ يجب أن يظهر في حجم المناولة وعدد السفن وزمن الانتظار والإيرادات، وفي المطار في عدد الرحلات والمسافرين وحجم الشحن والخدمات والإيرادات.
وبعد عام، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا استلمنا؟ بل ماذا أضاف ما استلمناه إلى اقتصاد الساحل والاقتصاد السوري ككل؟، مضيفاً: إن النجاح الحقيقي ليس في استعادة الأصل فقط، وإنما في حسن إدارته وتحويله إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.








