يرى الوزير السابق الدكتور عبد الحكيم المصري، أن استبدال العملة السورية يمثل فرصة لإعادة ترتيب المشهد النقدي وبناء الثقة بالعملة الوطنية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من التعامل معه كحل منفرد للأزمة الاقتصادية، مؤكداً أن نجاح الخطوة مرتبط بقدرة المصرف المركزي على السيطرة على السيولة، وضبط سعر الصرف، ومعالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد.
ويشير المصري إلى أن أي عملية استبدال للعملة تحمل بطبيعتها مرحلة من عدم اليقين، وقد تتحول إلى مساحة لاستغلال المخاوف الشعبية إذا لم ترافقها إجراءات واضحة وشفافة، موضحاً أن بعض التجار قد يلجؤون إلى رفع الأسعار بحجة عدم معرفة القيمة الفعلية للعملة الجديدة أو صعوبة التسعير خلال المرحلة الانتقالية.
ويضيف إن الخطر الأكبر لا يأتي من عملية الاستبدال نفسها، وإنما من توقعات السوق، إذ إن الخوف من ارتفاع الأسعار أو انخفاض قيمة العملة قد يدفع المواطنين إلى سلوكيات تؤدي فعلياً إلى زيادة الضغوط على الليرة، مشيراً إلى أن سعر الصرف قد يتعرض لتذبذبات في البداية قبل أن تستقر الصورة.
العملة الجديدة تكشف ما هو مخفي
ويعتبر المصري أن إحدى أهم نتائج استبدال العملة ستكون قدرة المصرف المركزي على معرفة حجم السيولة الحقيقية الموجودة خارج النظام الرسمي، موضحاً أن خروج العملة القديمة من التداول سيحد من وجود كميات نقدية غير معروفة المصدر.
ويقول إن المرحلة السابقة شهدت وجود كميات كبيرة من العملات السورية خارج البلاد، وخاصة لدى بعض الجهات أو الأفراد الذين قاموا بتخزينها، مشيراً إلى أن عملية الاستبدال عبر المركزي ستضع هذه الأموال أمام اختبار القدرة على إثبات مصدرها.
ويؤكد أن الأموال التي لا يمكن تبرير مصادرها قد تفقد قيمتها أو تواجه صعوبة في العودة إلى الدورة الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الاستبدال أداة يمكن أن تساعد في مكافحة غسل الأموال، وليس مجرد إجراء نقدي لتغيير شكل الأوراق المالية.
نهاية العملات المزورة
ويلفت المصري إلى أن وجود عملة جديدة موحدة سيعالج مشكلة العملات المزورة التي كانت منتشرة خلال السنوات الماضية، موضحاً أن الأوراق النقدية المزورة لن تكون قادرة على دخول النظام المصرفي الجديد، ما قد يرفع مستوى الثقة بالعملة المحلية، ويضيف إن التخلص من العملة القديمة يحمل أيضاً بعداً رمزياً، باعتباره يمثل انتقالاً من مرحلة سابقة، خصوصاً إذا ارتبط بتصميم جديد ورموز مختلفة تعكس مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة.
اقتصاد يعتمد على النقد!
لكن المصري يحذر من أن تطبيق العملية لن يكون سهلاً في ظل طبيعة الاقتصاد السوري القائم بشكل كبير على التعاملات النقدية، موضحاً أن أكثر من 90% من عمليات التداول تتم خارج القنوات المصرفية.
ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في كمية النقد الموجودة، وإنما في سرعة دوران هذه الأموال داخل الاقتصاد، إذ إن الكتلة النقدية الموجودة في أيدي الناس قد تتحول إلى عرض نقدي أكبر من خلال عمليات البيع والشراء، ما يفرض على المصرف المركزي امتلاك أدوات دقيقة لمراقبة حركة السيولة.
ويؤكد أن ضعف الأنظمة المصرفية الإلكترونية قد يشكل تحدياً إضافياً، خصوصاً فيما يتعلق بعمليات السحب والتحويل وإدارة الحسابات خلال المرحلة الأولى من التطبيق.
خطر التضخم لا يزال قائماً
ويحذر أيضاً من احتمال ظهور موجة تضخمية في بداية العملية، ليس فقط بسبب المضاربات، وإنما أيضاً بسبب غياب الفئات النقدية الصغيرة، موضحاً أن عدم وجود قطع نقدية أو فئات منخفضة القيمة قد يدفع بعض التجار إلى التقريب نحو الأعلى في الأسعار.
ويعطي مثالاً على ذلك بأن السلعة التي يبلغ سعرها 22 وحدة نقدية/ ألف / مثلاً قد تباع بـ 25 بسبب عدم توفر الفئات المناسبة، الأمر الذي يخلق تضخماً إضافياً يتراكم مع الوقت. ويؤكد أن معالجة التضخم لا تتم عبر تغيير العملة فقط، بل عبر زيادة الإنتاج المحلي، لأن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد ويعاني ضعف الإنتاجية سيبقى معرضاً لضغوط سعرية مهما تغير شكل العملة.
استقرار سعر الصرف هو الاختبار الحقيقي
ويرى المصري أن الاختبار الأساسي لنجاح العملية سيكون في قدرة السلطات النقدية على تحقيق استقرار سعر الصرف وإنهاء الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. ويؤكد أن وجود سعر صرف موحد وواقعي سيكون رسالة مهمة للمواطنين والمستثمرين، لأن تعدد أسعار الصرف كان أحد أبرز مصادر عدم الثقة وتشوهات السوق.
ويضيف إن نجاح عملية استبدال العملة يتطلب مجموعة من الإجراءات المرافقة، أبرزها ضبط السياسة النقدية، وترشيد الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات، وتحسين البيئة الاستثمارية، إضافة إلى توحيد سعر الصرف وإنهاء الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وقال: إن وجود سعر صرف واحد وشفاف سيكون عاملاً أساسياً في استعادة الثقة لدى المواطنين والمستثمرين، لأن تعدد الأسعار كان من أبرز مصادر التشوه في الاقتصاد خلال السنوات الماضية.
وختاماً يرى أن استبدال العملة يمكن أن يكون خطوة مهمة لإعادة بناء النظام النقدي، لكنه ليس علاجاً منفرداً للأزمة الاقتصادية، مؤكداً أن نجاحه مرتبط بقدرة الدولة على تحويل هذه الخطوة إلى جزء من برنامج اقتصادي شامل يعيد للإنتاج دوره، ويمنح المستثمرين والمواطنين الثقة بالمستقبل.






