بدت مؤشرات التداول في سوق دمشق للأوراق المالية أكثر نشاطاً خلال النصف الأول من العام 2026 حيث ارتفع مؤشر السوق الرئيس بنسبة 4.77%، وصعد مؤشر الأسهم القيادية بنسبة 29.50%، بينما تجاوزت قيمة التداولات مع الصفقات الضخمة 2.4 مليار ليرة سورية جديدة، بحجم تداول تخطى 58.4 مليون سهم. لكن وراء هذه المؤشرات سؤال اقتصادي أكثر أهمية من حجم التداول نفسه: كم رأس مال جديد دخل فعلياً إلى الشركات لتمويل الاستثمار؟
يرى الخبير الاقتصادي د. رازي محي الدين أن الإجابة عن هذا السؤال هي المعيار الحقيقي لقياس تطور سوق المال، لأن هناك فرقاً جوهرياً بين السوق الثانوية، حيث تنتقل الأسهم بين المستثمرين، والسوق الأولية التي تدخل من خلالها أموال جديدة إلى الشركات عبر الاكتتابات وزيادات رأس المال النقدية.
ويقول محي الدين في تصريح لـ” الوطن “إن ارتفاع التداول يعني تحسناً في السيولة وإعادة توزيع الملكية، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة الطاقة الإنتاجية أو خلق استثمارات جديدة. فالأموال التي تنتقل بين المستثمرين قد ترفع النشاط والأسعار، من دون أن تضيف تمويلاً جديداً إلى الشركات.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين زيادة رأس المال النقدية والأسهم المجانية. فالأولى تضخ سيولة جديدة يمكن استخدامها في التوسع والاستثمار، بينما تمثل الأسهم المجانية إعادة تصنيف داخل حقوق الملكية، وقد ترفع رأس المال الاسمي للشركة من دون دخول أموال جديدة إلى خزائنها.
وتظهر بيانات السوق أن بنك البركة- سورية رفع رأسماله عبر توزيع أسهم مجانية بقيمة 800 مليون ليرة سورية جديدة خلال النصف الأول، في حين بقيت عمليات التمويل النقدي محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الاستثمارية.
سوق محدودة
وهنا يؤكد د. رازي أن المسألة لا تتعلق المسألة بحجم السيولة فقط، بل بتوزيعها أيضاً. فقد استحوذ قطاع البنوك على 51.48% من قيمة التداولات خلال النصف الأول، مقابل 47.88% للقطاع الصناعي، بينما لم تتجاوز حصة الخدمات 0.55% والتأمين 0.09%. كما تصدر سهم إسمنت البادية التداولات بقيمة بلغت نحو 1.1 مليار ليرة سورية جديدة.
ويرى مُحي الدين أن هذا التركّز يكشف محدودية عمق السوق واتساعها، ويجعل توسيع قاعدة الشركات والقطاعات والأدوات الاستثمارية شرطاً أساسياً لتحويل البورصة إلى قناة واسعة لتمويل الاقتصاد.
فالسوق القادرة على تمويل النمو لا تحتاج فقط إلى تداول نشط، بل إلى شركات جديدة تدخل السوق، ورؤوس أموال نقدية، ومستثمرين مؤسسيين، وأدوات استثمار قادرة على جذب المدخرات وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية.
العائق خارج البورصة أيضاً
ويضع د.محي الدين جزءاً من المشكلة في البيئة الاقتصادية والتنظيمية المحيطة بالسوق، مشيراً إلى أن كثيراً من الشركات العائلية لا تزال مترددة في التحول إلى شركات مساهمة بسبب مخاوف فقدان السيطرة، ومتطلبات الإفصاح والحوكمة، وتعقيد الإجراءات، وغياب الحوافز الكافية.
ومن هنا، يرى ضرورة جعل الإدراج أكثر جدوى للشركات الصناعية والإنتاجية، بالتوازي مع إصلاح البيئة الضريبية والتنظيمية.
ويشمل ذلك، بحسب مُحي الدين، إعادة تقييم الأصول بالقيمة العادلة، ولا سيما العقارات التي ما زالت مسجلة بقيم دفترية تاريخية تقل كثيراً عن قيمتها الاقتصادية الحالية، مع تجنب التعامل الضريبي العقابي مع الأرباح الناتجة عن إعادة التقييم، لأنها لا تمثل بالضرورة أرباحاً نقدية محققة.
كما يدعو إلى قبول المصاريف الفعلية للشركات في ظل عدم اكتمال منظومة الفوترة، وتطوير نظام التأمينات الاجتماعية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الحوكمة والإفصاح، ومنح الشركات المدرجة أو الراغبة بالتحول إلى شركات مساهمة حوافز ضريبية وتنظيمية حقيقية.
قدرة السوق!
ويرى د. محي الدين أن توسيع قاعدة العرض يمكن أن يبدأ من قطاعات مالية واقتصادية جديدة، معتبراً أن رفع رؤوس أموال المصارف وتنظيم المحافظ الإلكترونية، إلى جانب شركات الحوالات والدفع الإلكتروني والصرافة والمؤسسات المالية الأخرى، قد يفتح المجال أمام شركات جديدة مؤهلة للإدراج.
ويؤكد كذلك أهمية تأسيس صناديق الاستثمار وتطوير المؤسسات الاستثمارية، بما يزيد حضور المستثمر المؤسسي ويخفف اعتماد السوق على المستثمر الفرد.
أما الصندوق السيادي، فيراه فرصة مهمة لتعميق سوق المال، إذا جرى تقييم الأصول والحصص التي آلت إليه وإعادة هيكلتها، ثم طرح الشركات القابلة للحياة عبر السوق بشفافية. فإدخال هذه الشركات إلى التداول يمكن أن يزيد المعروض من الأوراق المالية ويوسع فرص الاستثمار، بدلاً من بقاء الأصول خارج الدورة الاستثمارية.
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في أن بورصة دمشق لا تشهد نشاطاً؛ الأرقام تؤكد وجود نشاط وتحسن في المؤشرات. لكن التحدي الأكبر هو تحويل هذا النشاط من تداول للملكية إلى تدفق لرأس المال الجديد.
وبحسب محي الدين، فإن الاختبار الحقيقي لسوق المال يبدأ عندما تصبح الاكتتابات وزيادات رأس المال النقدية أداة منتظمة لتمويل الشركات، وعندما تتوسع قاعدة الشركات والمستثمرين والأدوات المالية.
عندها فقط تنتقل بورصة دمشق من سوق لتبادل الملكية إلى سوق لتمويل الاقتصاد.








