أكد خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة لـ”الوطن” أن إلغاء تصنيف سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل نجاحاً سياسياً عالي المستوى، ولا بد أن تنعكس آثاره على الاقتصاد، وإن كان هذا الانعكاس قد لا يكون فورياً، وإنما سيظهر تدريجياً بحسب سرعة استجابة القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي والإصلاحات المؤسسية.
يفتح الطريق أمام تدفقات جديدة
ويرى وردة أن هذا الإلغاء سيفتح الباب أمام شركات الطيران والسياحة وغيرها للعودة إلى التعامل مع الدولة السورية دون خوف من العقوبات، ومن شأن ذلك، إذا ترافق مع عودة التعاملات المالية والتجارية الطبيعية، أن يساعد على زيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد السوري، ومنه بشكل غير مباشر على المواطن السوري عبر قنوات متعددة، كالنشاط الاقتصادي، وفرص العمل، وارتفاع الطلب على العمالة، وتنشيط الاستيراد والتصدير والاستثمار، وارتفاع عوائد الإيرادات العامة وغير ذلك.
غير أن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة أن يتزامن مع تدفق الاستثمارات، إذ إن للاستثمارات وجذب الرساميل والتمويلات منطقاً مختلفاً، فهي لا تكتفي بالاستقرار السياسي، بل تبحث عن القوة الاقتصادية والربحية.
ومن الواضح، بحسب وردة، أن مقومات القوة الاقتصادية والربحية والاستقرار الاستثماري لم تكتمل بعد، وهي تحتاج إلى وقت كي تتوفر ولئن انطلقت بعض المشاريع هنا وهناك، فإن له وجهة نظر فيها، وفي كل الأحوال، من المبكر الحديث عن نجاحها، والحذر يجب أن يكون سيد الموقف.
الاستثمار شيء والتمويل شيء آخر
ويشير وردة إلى أهمية التمييز بين الاستثمار والتمويل، لأن مشروعاً كبيراً مثل محطة كهرباء أو ميناء أو شبكة مياه أو طريق أو مشروع إسكان ضخم قد لا يمول كله من رأسمال المستثمر، إذ إن هناك أنواعاً للتمويل، منها التمويل المصرفي، والتنموي، وتمويل المؤسسات المالية الدولية، والتمويل الاستثماري والتجاري المباشر، وغير ذلك.
والأهم من ذلك، بحسب وردة، أن تكون المشاريع نفسها قابلة للتمويل، فليس كل مشروع جيداً لمجرد أن الحاجة إليه كبيرة.
ويؤكد أن المشروع الدولي يجب أن يلبي حاجة حقيقية للبلد، ضمن تدفقات نقدية متوقعة من خلال دراسة الجدوى الاقتصادية والبرنامج الزمني المتعلق بحركة التدفقات النقدية، وفي إطار قانوني واضح، ومع جهة مخولة بالتعاقد، وبضمانات لآلية استرداد رأس المال والأرباح.
الانفتاح السياسي أمام اختبار الإعمار
وعن إمكانية أن يشكل القرار نقطة تحول في ملف إعادة الإعمار، لناحية انتقال سورية من مرحلة التعافي المحدود إلى إطلاق مشاريع واسعة بالشراكة مع الدول والمؤسسات والشركات الدولية، يرى وردة أن قرار إلغاء تصنيف سورية من الدول الراعية للإرهاب يجب أن يكون منعطفاً بارزاً في سياسة الدول والمنظمات الدولية تجاه سورية.
ويوضح أن العقوبات التي كانت تجبرها على الابتعاد عن سورية رُفعت، بل وتم استبدالها بمواقف دولية داعمة للقيادة السورية الجديدة على أعلى مستويات الساسة والقادة الإقليميين والدوليين، كما أن العوائق السياسية والعقوبات التي كانت تعرقل جانباً مهماً من التعامل الدولي مع سورية تراجعت بصورة كبيرة.
لكن تحويل هذا الانفتاح السياسي إلى مشاريع فعلية على الأرض يحتاج، بحسب وردة، إلى مجموعة من الشروط الاقتصادية والتمويلية، في مقدمتها إصلاح النظام المصرفي، وفك السيولة المحبوسة، واسترداد ثقة المواطنين بالبنوك المحلية.
شروط جذب الاستثمار
ويضيف وردة إن من الشروط المطلوبة أيضاً الاستقرار القانوني، وتوضيح آلية تحويل أرباح الشركات الخارجية، وتوحيد سعر الصرف، وضمان عدم تعرض الاستثمارات للتغول الحكومي والتدخلات غير المستندة إلى القانون، ووضوح التشريعات وضمان قابلية إنفاذ العقود وتسوية المنازعات.
كما يشير إلى أهمية المساعدة على زيادة حجم الطلب من خلال إدارة عجلة الاقتصاد بقوة تحقق الجدوى الاقتصادية، إضافة إلى ضمان عدم وقوع الاستثمارات في المخاطر السيادية.
ويرى أن الإجراءات المطلوبة يمكن النظر إليها ضمن أربعة مسارات مترابطة، تبدأ بإصلاح البيئة المالية بما يشمل المصارف والسيولة والتحويلات وسعر الصرف والتمويل، بالتوازي مع إصلاح البيئة القانونية المتعلقة بالعقود والقضاء والتحكيم وحماية الملكية وتحويل الأرباح.
ويأتي إلى جانب ذلك إصلاح البيئة الاقتصادية، بما يشمل الطلب والقدرة الشرائية والإنتاج والطاقة والبنية التحتية والجدوى الاقتصادية، إضافة إلى إصلاح البيئة الاستثمارية من خلال الشفافية والمنافسة والحوكمة وإدارة المخاطر السيادية والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لا تبني المشاريع وحدها
ويؤكد وردة أن إزالة العوائق السياسية والعقوبات تفتح الباب، لكنها لا تبني المشاريع وحدها، موضحاً أن الذي يبني المشاريع هو توافر التمويل والجدوى الاقتصادية والثقة وحماية الاستثمار والاستقرار المؤسسي والمصرفي.
ويختصر رؤيته بالقول إن إزالة العقوبات تجعل الاستثمار ممكناً، لكنها لا تجعله مجدياً بالضرورة، فالاستثمار الدولي لا يسأل فقط: هل أستطيع الدخول إلى سورية؟، بل يسأل أيضاً: هل أستطيع أن أربح؟ وهل أستطيع تحويل أرباحي؟ وهل أستطيع أن أحمي رأسمالي وأخرج من الاستثمار بأمان؟.
ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي مفتاح تدوير حركة الاستثمار في سورية.





