ويرى أستاذ الاقتصاد أنه ورغم ما تحمله من إشارات إيجابية غير مسبوقة، فإنها تواجه تحديات تنفيذية جسيمة تتعلق بالاستدامة المالية، واحتواء التضخم، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين مكونات الدولة.هيكل الزيادات وتداعياته على القطاع الحكومي
لفت قوشجي في حديثه للوطن إلى أن الزيادات الجديدة اعتمدت هيكلاً ثلاثي الأبعاد بين زيادة عامة شاملة نسبتها 200%، و”زيادات نوعية” طالت نحو 85-89% من العاملين في القطاع الإداري، استهدفت “الوظائف الحساسة” في إطار مكافحة الفساد، إلى جانب زيادة إضافية بنسبة 50% بموجب المرسوم 67 لمن لم تشملهم الزيادات النوعية.
ونوه بأن هذا التوزيع سيحدث فجوة معيشية وإدارية داخل الوزارات ذاتها، إذ سينشأ ثلاث فئات من الموظفين تحظى بنسب تفاوت في الزيادات، فعلى سبيل المثال، قد يحصل موظف في وزارة العدل ضمن الفئات المستفيدة من الزيادات النوعية على نسبة تصل إلى 200% إضافة إلى نسب نوعية، بينما لا يتجاوز نصيب موظف في وزارة أخرى 200% أو 250% بحسب موقعه. ويرى أنه إذا لم يُستند هذا التفاوت إلى معايير شفافة وموضوعية تقاس بالكفاءة والإنتاجية والمسؤولية، فسينتج شعور بالظلم وانخفاض الروح المعنوية، ما يقوض الجهود الرامية لتحسين الأداء المؤسسي.
من ناحية أخرى، اوضح قوشجي أن ربط الزيادات النوعية بحماية الوظائف الحساسة من الفساد يحمل منطقاً نظرياً سليماً، فرفع الأجر يقلل الحافز للفساد، بيد أن نجاحه يتوقف على وجود نظام رقابي صارم متزامن؛ ففي غياب الرقابة، قد تتحول هذه الزيادات إلى “مكافآت ولاء” أو تُصرف دون معايير أداء واضحة، ما يعيد إنتاج الفساد في صيغة جديدة.
أما عن إعادة المفصولين بسبب مشاركتهم في الثورة في وزارة المالية، مع إعلان توجه الحكومة لإغلاق ملف إصلاح رواتب القطاع العام، فوصفه انه يشكل خطوة سياسية وإدارية مهمة لبناء الثقة داخل المؤسسة، مضيفا: لكنها قد تؤدي إلى تضخم هيكلي مؤقت في الوزارة إذا لم تتزامن مع خطة لإعادة هيكلة الكفاءات، كما أن إعلان “إغلاق الملف” يبدو سابقاً لأوانه، إذ إن إصلاح الرواتب عملية مستمرة وليست حدثاً لمرة واحدة، وتحتاج إلى مرونة لتصحيح الاختلالات التي ستظهر لاحقاً، خاصة في ظل الفوارق الواسعة في الزيادات.
الأثر الاقتصادي الكلي واستقرار سعر الصرف
يرى أستاذ الاقتصاد أن التحدي الأكبر يتمثل في ضمان عدم تحول الزيادة الكبيرة في الكتلة النقدية المتداولة إلى تضخم فوري، لافتاً إلى أن الوزير أكد أن التمويل سيتم عبر “موارد حقيقية ومنح خارجية، وليس عبر الإصدار النقدي”، غير أن ضمانات النجاح تتطلب شفافية في توقيت ضخ السيولة؛ فإذا جرى الضخ دفعة واحدة دون توفر سلع وخدمات كافية في الأسواق، فستندلع موجة تضخم حادة تمتص القوة الشرائية الجديدة قبل أن يشعر بها الموظف.
وشدد على ضرورة وجود برنامج متزامن لدعم الإنتاج المحلي، خاصة الزراعة والصناعات الخفيفة، وتأمين السلع الأساسية بأسعار مدعومة أو عبر منافذ بيع حكومية مؤقتة لكسر الاحتكار.
كما يجب أن تسبق الزيادة حملات رقابية صارمة لمنع جشع التجار؛ فترك الأسواق دون رقابة سيؤدي إلى دورة تضخمية مرتدة، إذ سيرفع التجار الأسعار توقعاً لزيادة الطلب، مما يلغي أثر الزيادة.
وأكد قوشجي أن إدخال إيرادات النفط والغاز في الموازنة العامة، خلافاً لما كان سائداً سابقاً، يعتبر إصلاحاً جوهرياً يعزز شفافية الإيرادات ويقوي قدرة الدولة على التخطيط المالي. وإلى جانب المنح يشكل هذا الدمج ملاذاً مالياً مؤقتاً. وإذا اقترن بإدارة سليمة للاحتياطي الأجنبي، فسيسهم في استقرار سعر صرف الليرة السورية عبر تقليص العجز في ميزان المدفوعات وتوفير تغطية للاستيرادات الأساسية.
وقال: لكن الاعتماد على المنح الخارجية وحدها لتمويل زيادة بهذا الحجم هو حل مؤقت يشبه “حقنة الإنعاش”، يعطي الدولة هامشاً للتحرك لكنه غير مستدام، فالخطر الحقيقي يكمن في رفع سقف التوقعات الاستهلاكية دون بناء قاعدة إنتاجية وتوسيع الوعاء الضريبي لافتا إلى أن استمرار هذا المستوى من الإنفاق يتطلب خطة موازية سريعة لتحفيز الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات لزيادة الإيرادات الذاتية للدولة.
تحرير الأسواق ومكافحة الاحتكار
يرى أستاذ الاقتصاد أن زيادة الرواتب تبقى مجرد تحرك نقدي إذا لم تُرافقها إصلاحات هيكلية في جانب العرض، ففي ظل تركز السوق وضعف المنافسة، سرعان ما تبتلع جيوب الاحتكار أي زيادة في الدخل، لتتحول إلى مكاسب للمحتكرين بدلاً من أن تتحول إلى تحسن حقيقي في مستوى معيشة الموظفين، لذلك، لا غنى عن استراتيجية متكاملة لتحرير الأسواق ومكافحة






