يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن حصر استبدال ما تبقى من العملة القديمة في فرع المركزي بدمشق غيّر طبيعة العملية النقدية من خدمة عامة إلى مسار مركزي ضيق.
وقال في حديثه لـ”الوطن”: أصبح الوصول إلى الإبراء مرتبطاً بالمكان لا بالقيمة، ما خلق فجوة بين من يستطيع الوصول إلى دمشق ومن لا يستطيع، وهذا الحصر أعاد تركيز السيولة في المركز، وترك الأطراف في حالة نقص نقدي واضح، وفتح الباب أمام سلوكيات جديدة لم تكن موجودة قبل انتهاء المهلة الرسمية.
ومع اشتراط تقديم كميات كبيرة للاستبدال، ومع اقتصار العملية على دمشق، تحولت العملة القديمة إلى سلعة قابلة للشراء والبيع، ولفت إلى أنه بالتزام مع ذلك ستظهر طبقة من الوسطاء تجمع الأوراق القديمة من المواطنين بأسعار منخفضة ثم تستبدلها بالقيمة الكاملة في دمشق.

مضيفاً: وهكذا انتقلت العملة القديمة من كونها وسيلة دفع إلى كونها مادة مضاربة لها سعر خاص يتحدد وفق القدرة على الوصول إلى المركز وحجم الكمية المتاحة، وهذا التحول خلق سوقاً جديدة بالكامل، وأعاد تعريف قيمة النقد القديم خارج وظيفته الأصلية.
واستعرض قوشجي الآثار الاقتصادية المباشرة لهذا التحول التي تتمثل في أن حصر الاستبدال في دمشق فتح مساراً نقدياً غير متوازن، وسمح بتكوّن سوق مضاربة على النقد القديم، وأعاد توزيع السيولة بطريقة تميل لمصلحة المركز على حساب الأطراف، كما أضاف طبقة جديدة من التشوّه النقدي، إذ أصبحت قيمة العملة القديمة منفصلة عن قيمتها الاسمية، وتحوّلت إلى أصل يُباع ويُشترى بدلاً من أن يُسلّم مباشرة للمصرف.
ولفت إلى أن هذا المشهد يعكس انتقال النقد من وظيفته كأداة تبادل إلى وظيفته كسلعة، وهو تحول يحمل آثاراً طويلة على بنية السوق وثقة الجمهور بالنظام النقدي الجديد.
وفي سياق متصل يرى الخبير المصرفي أنه ومع قرب انتهاء مهلة الاستبدال لم يُحدَّد مصير الفئات الصغيرة في التداول نهائياً، ونرى أنها لم تعد تتمتع بأي قوة إبرائية في السوق، إذ لم تُطرح لها بدائل بعد حذف الأصفار، ما جعلها عملياً خارج النظام النقدي الجديد.
واعتبر قوشجي أن هذا الخروج سيخلق فراغاً في وحدات التسعير، ويدفع السوق إلى رفع الأسعار نحو الفئات الأكبر المتداولة، وهو ما عزز موجة تضخمية زاحفة لم تكن مرتبطة بالعرض والطلب بقدر ارتباطها بإعادة هيكلة النقد نفسه.
أما الكتلة النقدية الجديدة بعد عملية الاستبدال، فأوضح الخبير الاقتصادي أن الكتلة النقدية التي دخلت التداول بعد حذف الأصفار يجب أن تمثل السيولة داخل الاقتصاد السوري، لكن حجمها الفعلي ما يزال غير معلن بدقة.
مضيفاً: وتشير المؤشرات إلى أن معظم السيولة جرى استبدالها، إلا أن جزءاً منها بقي خارج الجهاز المصرفي، وتم الاحتفاظ بالفئات الكبيرة من العملة الجديدة لدى المجتمع.
وما يُؤخذ على عملية الاستبدال برأي قوشجي أنها تمت من دون مراقبة هيئة مكافحة غسل الأموال، ومن دون إغلاق منافذ تهريب الأموال عبر الحدود، ولو حدث ذلك لأعطى مصداقية للنظام النقدي السوري أمام المنظمات المالية والبنوك العالمية.







