إجماع سياسي وقانوني محلي ودولي على أن قرار أميركا رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يعد نقطة تحول تاريخية فارقة في تاريخ الدولة السورية، وتجسيد لنجاح النهج الذي اعتمدته القيادة السورية الجديدة في الانفتاح والحوار والدبلوماسية الفاعلة، كما يعكس الثقة المتزايدة بالمسار الجديد الذي تنتهجه القيادة.
الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أوضح أن القرار يشكل محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية واقتصادية تتجاوز مجرد إنهاء تصنيف استمر لعقود.
وبين الكيلاني في تصريح ل”الوطن” أنه ورغم الإعلان عن القرار، فإنه يمر بإجراءات قانونية داخل الولايات المتحدة قبل أن يصبح نافذاً بشكل كامل، حيث يخضع لمراجعة من الكونغرس وفق الآليات المنصوص عليها في القانون الأمريكي، وبعد دخوله حيز التنفيذ، ستبدأ مرحلة جديدة تتضمن استكمال مراجعة العقوبات الأخرى المفروضة على سوريا، وإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، والعمل على إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، إلى جانب إطلاق حوارات مع المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة بشأن إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد السوري. وقال الكيلاني:”ستبقى هذه الخطوات مرتبطة بمدى نجاح المرحلة الانتقالية في ترسيخ الاستقرار، واستكمال الإصلاحات السياسية والمؤسسية، وتعزيز سيادة القانون، بما يضمن استمرار الانفتاح الدولي وعدم التراجع عنه”.

وأوضح أن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يمثل مجرد إجراء سياسي أو دبلوماسي، بل هو تحول قانوني مهم يعكس تغيراً في نظرة الولايات المتحدة إلى الواقع السوري وإلى طبيعة السلطة القائمة خلال المرحلة الانتقالية.
وبين أن التصنيف كان يفرض على سوريا مجموعة واسعة من القيود التي شملت المساعدات الأمريكية، والتعاون العسكري، والصادرات ذات الاستخدام المزدوج، إضافة إلى قيود مالية ومصرفية جعلت تعامل المؤسسات الدولية مع سوريا بالغ الصعوبة. ومع إزالة هذا التصنيف، تنتقل سوريا إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها إحدى أهم العقبات القانونية التي كانت تحول دون إعادة انخراطها في الاقتصاد العالمي.
وعلى المستوى السياسي، أوضح الكيلاني أن القرار يمنح الحكومة الانتقالية قدراً أكبر من الشرعية الدولية، ويعكس استعداد الولايات المتحدة للتعامل مع الواقع السياسي الجديد في سوريا، كما يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بأن المرحلة الحالية تختلف عن المرحلة السابقة، وهو ما قد يشجع عدداً من الدول على توسيع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وإعادة فتح قنوات التعاون السياسي والاقتصادي، كذلك يعزز القرار قدرة سوريا على المشاركة في المبادرات الإقليمية والدولية المتعلقة بإعادة الإعمار والتنمية، ويمنحها موقعاً أفضل في أي مفاوضات مستقبلية مع الشركاء الدوليين.
ومن الناحية الاقتصادية شدد الكيلاني على أن أهمية القرار تكمن في كونه يخفف جانباً كبيراً من المخاطر القانونية التي كانت تمنع الشركات والمستثمرين من التعامل مع سوريا، حتى في الحالات التي لم تكن تشملها العقوبات بشكل مباشر، ومن المتوقع أن يسهم ذلك تدريجياً في تحسين بيئة الاستثمار، واستقطاب رؤوس الأموال، ولا سيما من الدول العربية والإقليمية الراغبة في المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى إعادة تنشيط قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والخدمات، شريطة استمرار الاستقرار وتحسين البيئة التشريعية والإدارية.
وفي الجانب المالي والمصرفي، قال الكيلاني:” يمثل رفع التصنيف خطوة أساسية نحو إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي، فقد أدى وجود سوريا على هذه القائمة إلى عزوف معظم المصارف الدولية عن إقامة علاقات مراسلة مع المصارف السورية خوفاً من المخاطر القانونية والعقوبات الثانوية، ومع إزالة هذا العائق، يصبح من الممكن العمل تدريجياً على إعادة فتح قنوات التحويل المالي، وتسهيل التجارة الخارجية، وخفض تكاليف التحويلات، وتحسين فرص التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يشكل عنصراً مهماً في دعم الاستقرار النقدي وتحريك النشاط الاقتصادي”.
وأشار إلى أن القرار يفتخ الباب أمام مرحلة جديدة فيما يتعلق بإعادة الإعمار، وهي المرحلة التي تحتاج فيها سوريا إلى استثمارات وتمويلات تقدر بمئات المليارات من الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات والاقتصاد الوطني، فإزالة تصنيف الإرهاب لا توفر التمويل بحد ذاته، لكنها تزيل إحدى أبرز العقبات القانونية التي كانت تحول دون مشاركة الشركات العالمية والمؤسسات المالية في مشاريع إعادة الإعمار، وتمنح الدول المانحة مساحة أكبر للتعاون مع الحكومة الانتقالية.
الوطن – أسرة التحرير








