المزيد

‫آخر الأخبار:‬

دور التعليم في نشأة الأجيال.. الحسين لـ”الوطن”: تحويل المدارس من جدران إلى حدائق للإبداع

‫شارك على:‬
20

أقامت مديرية الثقافة في الرقة بالتعاون مع منظمة اليونيسيف ندوة حوارية بعنوان “دور التعليم في نشأة الجيل من الطفولة إلى الشباب”.

شارك في هذه الندوة ثلة من الاختصاصيين في برامج التعليم والطفولة، منهم مدير إدارة التميز التربوي بمركز اليونيسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم الدكتور “إبراهيم الحسين” والباحثان “بكر الحمود وضرار الجشعم”، أدار هذه الندوة أحمد الدعيل.

تأتي هذه الندوة لتدل أنه بجانب ترميم بلادنا حجراً حجراً، ورفع الأنقاض من شوارعها، هناك بناء آخر يحدث في صمت، في الفصول الدراسية وعلى مقاعد المدارس التي تبحث عن ترميم، إنه البناء الأعمق والأبقى بناء العقول، وتشكيل الوعي، وغرس بذور الغد.

وفي خضم المعركة المزدوجة لإعادة الإعمار المادي والنفسي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيسكن هذه المدن الجديدة؟ ومن سيقود سفينة النهضة في العقود القادمة؟

وقال الدكتور “إبراهيم الحسين”: يجب أن نعمل على التأسيس لرؤية تحولية عميقة، نستعير فيها استعارة الغراس الستة لنؤكد أن التعليم الجيد أشبه بحقل يروى بجهود متكاملة، بذوره المناهج المحررة، وماؤه المعلم الكريم، وترابه البيئة الآمنة، ونظامه الريّ، والقيادة المدرسية الملهمة.

إنها رؤية لا تقبل التجزئة، تجعل من المدرسة محطةً لتغيير مجرى الحياة برمتها، لا مجرد مرحلةٍ عابرة لنيل شهادة.

وشدد “الحسين” على ضرورة تحرير أطفالنا من ثقافة الامتحان القاسية، لنمنحهم ثقافة الحياة الرحبة، وهي دعوة لتحويل المدارس من جدران إلى حدائق للإبداع والمواطنة، حيث يعاد الاعتبار للمعلم صاحب الرسالة، وتبنى قدرات القائد المدرسي كي يكون قدوة، لا مراقباً للدوام.

وأضاف: قدمت هذه الندوة بيان نهضة، تضع أمامنا المعادلة الصعبة ولكنها الوحيدة الممكنة: كيف نصنع طفلاً يحب التعلم، ليصبح مواطناً قادراً على المنافسة عالمياً بهويته الوطنية، ويؤسس لسورية لا تنهض فقط بالخرسانة، بل بالوعي والجودة والاستدامة.

ودعا “الحسين” إلى رعاية هذا الغرس الجديد، ولنكن جميعاً سقاة هذه الحقول المباركة، لأن المعركة الحقيقية لسورية الغد، لا تربح في ميادين السياسة وحدها، بل في عقول أطفالها وكرامة معلميها.
وبين أن الغرس الأول هو:
إعادة تعريف جودة التعليم (التحول من الامتحان لأجل الدرجات إلى التعلم للحياة)

ويؤسس “الحسين” للقطيعة مع ثقافة “الامتحان مصير الحياة”، مؤكداً أن جودة التعليم تقاس بقدرة الخريج على مجابهة تعقيدات الحياة، لا بحفظه للمعلومات.

ورأى أنه في السياق السوري، هذا الغرس ضروري لتحويل المدرسة من فضاء للضغط النفسي إلى فضاءٍ لبناء كفاءات قادرة على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.
أما الغرس الثاني فيراه في تحرير نظام التعليم من التلقين والتركيز على الشهادة إلى التركيز على القيم والمهارات، وهنا دعوة صريحة لاجتثاث جذور التبعية المعرفية.

وأضاف: فالتحرير يعني استبدال منهج “استظهار المقرر” بمنهجية تعلم قائم على المشاريع والتفكير الناقد. وغرس المهارات (كحل المشكلات والذكاء العاطفي) إلى جانب القيم (كالنزاهة والمبادرة) يصنع جيلاً ريادياً، لا جيلاً باحثاً عن وظيفة حكومية فقط.

وفي الغرس الثالث تتجسد جاذبية مهنة التعليم، وتحسين ظروف المعلمين، وبناء قدرات قادة المدارس (جوهر جودة التعليم)

هذا هو الغرس الجوهري الذي يضع اللبنة الأساسية لأي إصلاح. ويؤكد “الحسين” أن المعلم المحبط والمهمش لن ينتج طفلاً متحمساً، فجودة التعليم تنبع من كرامة المعلم.

وأشار إلى أن هذا الغرس يستدعي: تحسين الرواتب والحوافز لجذب النخب إلى مهنة التعليم، لا الاكتفاء بخريجي كليات التربية فقط، وتحويل قادة المدارس من إداريين (مراقبين للدوام) إلى قادة تربويين ملهمين، يمتلكون مهارات القيادة التحويلية والتوجيه الإشرافي، ويكونون قدوة في التطوير المهني المستمر.

بدون هذا الغرس، تبقى بقية الغراس أمنيات، لأنه هو الذي يضمن وجود “المزارع الماهر” الذي يرعى البذور.

أما الغرس الرابع فيتمثل في إعادة تشكيل بيئات آمنة وملهمة وسعيدة لكل طفل (لغرس حب التعلم لأنه ثروة المستقبل)

وعن بيئة التعلم في سوريا بعد الصدمة، يقول: لا يكفي بناء جدران مدرسية، بل يجب بناء فضاء نفسي آمن يعيد للطفل ثقته بنفسه وبغده، بيئات التعلم التي تحتضن الفشل كفرصة، وتشجع الفضول، هي التي تنتج المبدعين، لأن الطفل الذي يحب المدرسة لن يتوقف عن التعلم طوال عمره، وهذه هي الثروة الحقيقية.

ويوصف “الحسين” الغرس الخامس بأنه التربية على المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة
بصفته مستشرفاً للمستقبل، معتبراً أن التماسك الوطني هو شرط البقاء، هذا الغرس يزرع في الأجيال الولاء للوطن لا للأطياف، ويعزز قيم التسامح والعدالة والحوار.

إنها تربية تجعل من التنوع قوة، وتحصّن المجتمع ضد خطابات الكراهية، لتضمن استقراراً سياسياً واجتماعياً مستداماً هو الأساس لأي تنمية.

ويختتم الحسين غراسه برؤية توازنية: الانفتاح على معايير اليونيسكو والثورة الصناعية الرابعة في المناهج والتقويم، مع الحفاظ على الهوية واللغة والقيم الأصيلة، هذا الغرس يخرج طفلاً سورياً قادراً على المنافسة في أسواق العمل العالمية، وفي الوقت نفسه يكون متجذراً في أرضه وتراثه، محققاً معادلة “الأصالة والمعاصرة”.