مازال سعر الصرف يشهد هبوطاً متتالياً كاسراً حاجز 130 وفي بعض مكاتب الصرافة وصل إلى 127، المفارقة لافتة يقوم مصرف سوريا المركزي برفع السعر الرسمي وتقليص هامش الحركة إلى 3% في خطوة تحمل دلالات نقدية عميقة، وتكشف عن محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين السعرين الرسمي والموازي، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام أسئلة حول طبيعة السياسة النقدية الحالية، وأهدافها، وحدود تأثيرها في ظل بنية اقتصادية شديدة التعقيد.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يحلل في حديثه للوطن سبب رفع المركزي السعر الرسمي رغم تحسن الليرة في السوق الموازي، موضحاً أنه من المنطق التقليدي يفترض أن يخفض المركزي السعر الرسمي عندما تتحسن الليرة في السوق، لكن ما يحدث اليوم محاولة نقدية هدفها الأساسي ليس دعم الليرة مباشرة، بل ضبط السوق ومنع وتقليص الفجوة السعرية.
وبين قوشجي أنه يمكن تفسير الخطوة عبر ثلاثة محاور أولها إعادة التموضع السعري، فعندما ترتفع الليرة في السوق الموازي، يتسع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي، هذا الفارق يشجع على المضاربة، ويخلق مساحات واسعة للتهريب والتحويلات غير النظامية.

ولفت إلى أن رفع السعر الرسمي يهدف إلى تقليص الفجوة وإعادة السعر الرسمي إلى منطقة أقرب للسوق، حتى لو كان السوق يتحسن.
كما أن هذا الإجراء يهدف إلى تثبيت توقعات السوق، فالمركزي يدرك أن أي تحسن سريع في السوق الموازي قد يكون مؤقتاً أو ناتجاً عن عوامل ظرفية (تدفقات موسمية، أو انكماش في الطلب)، لذلك يرفع السعر الرسمي ليقول للسوق: “لن نسمح بانخفاض مبالغ فيه قد ينعكس لاحقاً بارتفاع حاد.”
ووصفها قوشجي بأنها محاولة لضبط التوقعات ومنع السوق من الانزلاق في موجة تفاؤل غير واقعية.
والمحور الثالث من وجهة نظر الأستاذ الجامعي هي حماية الإيرادات الحكومية، فرفع السعر الرسمي يزيد من قيمة الإيرادات الحكومية المقومة بالدولار (رسوم، ضرائب، جمارك، صادرات)، ويقلل من خسائر التسعير الرسمي، وفي ظل عجز مالي كبير، يصبح السعر الرسمي أداة مالية بقدر ما هو أداة نقدية.
تقليص الهامش إلى 3%… ماذا يعني؟
أوضح الخبير الاقتصادي أن تقليص الهامش السعري من 15% إلى 3% هو رسالة نقدية واضحة: بأن المركزي يحاول استعادة السيطرة على حركة السعر ومنع التقلبات الحادة، فتقليص الهامش بهذا الشكل يعكس قناعة لدى المركزي بأن السوق دخل مرحلة حساسة تتطلب ضبطاً دقيقاً، وأن أي تذبذب كبير قد يعيد إشعال موجة مضاربات جديدة.
قوة لليرة أم ضعف؟
يوصف قوشجي الحالة بالمفارقة أن الخطوة تحمل دلالتين متناقضتين، فمن جهة، تعكس قوة الليرة في السوق الموازي لأن المركزي يسعى للحاق بالسوق وليس العكس، ومن جهة أخرى، تكشف عن هشاشة هذا التحسن لأن المركزي لا يريد أن يسمح للسعر الرسمي بالهبوط، ما يعني أنه لا يثق تماماً باستدامة التحسن.
مضيفا بمعنى آخر: الليرة تتحسن، لكن المركزي لا يريد أن يبني سياسته على هذا التحسن قبل أن يتأكد من أنه حقيقي ومستقر.
أهداف المركزي
يرى قوشجي أنه يمكن تلخيص أهداف المركزي في ثلاث نقاط استراتيجية:
حيث يضبط الفجوة السعرية بين الرسمي والموازي لمنع المضاربة، ويثبت توقعات السوق ومنع تشكل موجة تفاؤل غير واقعية قد تنقلب سريعاً، إضافة لحماية الإيرادات الحكومية عبر رفع السعر الرسمي في وقت تتحسن فيه الليرة في السوق.
وأشار إلى أن هذه الأهداف تكشف أن المركزي يعمل اليوم وفق سياسة نقدية دفاعية، هدفها الأول هو الاستقرار وليس تحسين الليرة.
استقرار حقيقي؟
الاستقرار النقدي لا يتحقق عبر السعر الرسمي وحده، بل عبر زيادة الإنتاج المحلي وضبط الاستيراد وتحسين تدفقات القطع الأجنبي، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وتخفيف العجز المالي.
وأوضح أن رفع السعر الرسمي وتقليص الهامش خطوة تقنية، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث استقرار طويل الأمد.
إنها خطوة في إطار إدارة الأزمة، وليست خطوة في إطار حلّها.
. وختم بالقول: حتى يتغير اللحن فعلاً، لا بد من إصلاحات اقتصادية أعمق تتجاوز إدارة السعر إلى إدارة الإنتاج والثقة والسيولة.








