المزيد

‫آخر الأخبار:‬

رفع التصنيف لا يثمر فوراً.. سورية أمام سنوات لتحويل الانفتاح إلى مكاسب

‫شارك على:‬
20

‏‏بعد 47 عاماً من إدراج سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب، يفتح رفع اسمها من القائمة نافذة جديدة أمام الاقتصاد السوري، إلا أن الخروج من التصنيف لا يعني تلقائياً خروج الاقتصاد من آثار العزلة، ولا يعني أن المصارف والاستثمارات والتجارة ستعود إلى مساراتها الطبيعية بين ليلة وضحاها. فالقرار يمثل خطوة مفصلية من الناحية القانونية والمالية، لكن تحويلها إلى مكاسب فعلية يحتاج إلى وقت وإجراءات مرافقة واستعادة تدريجية للثقة.

‏ويقول الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر لـ«الوطن» إن رفع التصنيف يعني من حيث المبدأ انتقال سورية من فئة الدول التي تعد عالية المخاطر وغير القابلة للتعامل المصرفي إلى دولة يمكن التعامل معها تجارياً ومالياً ضمن شروط امتثال أكثر قابلية للتنفيذ، وهو ما يفتح المجال أمام خفض تدريجي لتكاليف التجارة والتحويلات وإعادة تقييم فرص الاستثمار في السوق السورية.

‏ويشير اسمندر إلى أن أحد أبرز الآثار المحتملة يتمثل في خفض تكلفة تمويل التجارة، إذ تتراوح كلفة الاعتماد المستندي للاستيراد إلى سورية حالياً بين 6 و12 بالمئة من قيمة الصفقة، مقابل متوسط عالمي يتراوح بين 1 و2 بالمئة. ومع عودة المراسلات المصرفية وتوسع دائرة البنوك الأجنبية القابلة للتعامل مع المصارف السورية، يمكن أن تتراجع هذه التكاليف تدريجياً، لكن ذلك لن يحدث بمجرد صدور القرار، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة واستكمال متطلبات الامتثال المصرفي.

‏كما يمكن أن يتيح القرار مستقبلاً إجراء التحويلات المالية بالدولار واليورو بصورة أكثر مباشرة، بعدما تمر نسبة كبيرة من التحويلات حالياً عبر وسطاء إقليميين يرفعون كلفتها. ويقدر اسمندر أن تكلفة التحويلات التي تتراوح حالياً بين 4 و7 بالمئة يمكن أن تنخفض تدريجياً إلى نحو 1.5 و2.5 بالمئة خلال عامين، مع توسع شبكة العلاقات المصرفية الخارجية.

‏ويرى اسمندر أن التأثير لا يتوقف عند القطاع المصرفي، فالقرار يعيد أيضاً رسم مستوى المخاطر الذي تنظر من خلاله المؤسسات الاستثمارية إلى سورية. فانتقال البلاد إلى وضع تصبح فيه المشاريع السورية قابلة للدراسة القانونية والفنية من قبل صناديق الاستثمار والمؤسسات الدولية يمثل تطوراً مهماً، وإن كانت المخاطر الاقتصادية والاستثمارية ستبقى مرتفعة وتحتاج إلى تقييم.

‏وعلى مستوى المصارف، يقدر اسمندر إمكانية ارتفاع الودائع القادمة من الخارج بنحو 2 إلى 4 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات إذا توافرت الضمانات القانونية المناسبة، إلى جانب تحسن تدريجي في مستوى الامتثال المصرفي الدولي. كما يمكن أن تنخفض تكلفة التحويلات بنسبة تتراوح بين 50 و60 بالمئة خلال 12 إلى 18 شهراً في حال عودة قنوات التعامل المصرفي المباشر.

‏أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فيضع اسمندر سيناريو متفائلاً يبدأ بتدفقات تتراوح بين 500 مليون ومليار دولار في السنة الأولى، وقد تصل إلى 2 أو 3 مليارات دولار سنوياً بحلول السنة الثالثة، مع إمكانية وصول الاستثمارات التراكمية إلى 20 أو 30 مليار دولار خلال عشر سنوات. ويرجح أن تتركز المرحلة الأولى في قطاعات الطاقة والاتصالات والعقارات والصناعات الغذائية، قبل انتقال الاستثمارات إلى قطاعات أكثر تعقيداً وتكنولوجيا.

‏وفي التجارة الخارجية، يمكن أن يؤدي تحسن العلاقات المصرفية وتراجع تكاليف التمويل والتحويل إلى زيادة حجم التجارة بنسبة تتراوح بين 8 و12 بالمئة خلال السنتين الأولى والثانية، وصولاً إلى نحو 30 بالمئة في السنة الثالثة ضمن السيناريو المتفائل، بالتوازي مع إمكانية تقليص زمن التخليص الجمركي والتحويلات من عدة أسابيع إلى أسبوع أو أسبوعين، وانخفاض جزء من التكلفة الإجمالية للاستيراد.

‏ويؤكد اسمندر أن رفع التصنيف لا يعني أن تمويل إعادة الإعمار أصبح متاحاً تلقائياً، لكنه يرفع سقف الأدوات والجهات التي يمكن لسورية الوصول إليها. ومع تقديرات تكلفة إعادة الإعمار التي تصل إلى نحو 400 مليار دولار على مدى 15 عاماً، يمكن للقرار، إذا ترافق مع إصلاحات واستقرار قانوني وأمني واستمرار رفع القيود الأخرى، أن يساعد في تعبئة جزء من هذه الموارد.

‏ويحتاج الأثر الاقتصادي للقرار إلى مراحل زمنية واضحة. ففي الأشهر الثلاثة إلى الستة الأولى، يرجح أن يكون الأثر نفسياً ومعنوياً بالدرجة الأولى، مع تحسن محدود في التحويلات والمراسلات المصرفية. وبين الشهر السادس والثاني عشر يمكن أن تبدأ انعكاسات أكثر وضوحاً على تكاليف الاستيراد والتحويلات وعودة بعض المصارف الإقليمية إلى التعامل. أما خلال سنة إلى ثلاث سنوات، فقد تبدأ الاستثمارات الأجنبية بالظهور في القطاعات الأسرع عائداً، فيما يمكن أن تتبلور آثار أوسع على التجارة والنشاط الاقتصادي خلال ثلاث إلى خمس سنوات.

‏وعليه، فإن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن في أثر فوري على الاقتصاد، بل في فتحه الباب أمام مسار جديد بعد عقود من العزلة. فرفع التصنيف يمنح سورية فرصة اقتصادية مهمة، لكن الاستفادة منها تتطلب وقتاً وإصلاحات مصرفية وقانونية ومؤسسية، إلى جانب الاستقرار واستكمال مسار رفع العقوبات والقيود الأخرى. وعندها يمكن أن يتحول القرار من مجرد تغيير في الوضع القانوني لسورية إلى خفض فعلي في تكلفة التجارة والتمويل، وزيادة في الاستثمار، وعودة تدريجية للاقتصاد السوري إلى النظام المالي والتجاري العالمي.