المزيد

‫آخر الأخبار:‬

قرار بين نارين

‫شارك على:‬
20

لم يعد ارتفاع سعر الفروج في السوق المحلية مجرد موجة غلاء عابرة يمكن أن تهدأ مع زيادة المعروض، فالسعر الذي وصل إليه بات يعكس أزمة أعمق في قطاع الدواجن، تبدأ من ارتفاع تكاليف التربية ولا تنتهي عند حلقات التسويق والقدرة الشرائية للمستهلك.

وبين حماية المربي وتأمين الفروج بسعر يمكن للمواطن تحمله، جاء قرار السماح باستيراد الفروج الحي ليعيد طرح السؤال القديم: هل يكون الاستيراد حلاً لإنقاذ السوق، أم بداية لمشكلة جديدة في الإنتاج المحلي؟

ارتفاع الأسعار له أسباب واضحة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الأعلاف التي تشكل الجزء الأكبر من تكلفة تربية الفروج، إلى جانب أسعار الأدوية واللقاحات والطاقة والنقل والتدفئة، فضلاً عن تراجع أعداد المداجن العاملة وخروج بعض المربين من السوق بعد تعرضهم لخسائر متكررة.

ومع ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض العرض، تصبح النتيجة الطبيعية ارتفاع السعر، خصوصاً عندما تتدخل حلقات الوساطة والتوزيع بهوامش إضافية تزيد الفارق بين سعر المزرعة وسعر المستهلك.

من هنا تبدو مبررات المؤيدين للاستيراد منطقية في جانبها الاستهلاكي تسهم بدخول كميات جديدة إلى السوق ما يعني زيادة المعروض وخلق منافسة أمام المنتج المحلي، وهو ما يمكن أن يدفع الأسعار إلى الانخفاض.

وما حدث في الحسكة كما تناقلت الأخبار بعد دخول أولى الشحنات، حيث سجل سعر كيلو الفروج انخفاضاً سريعاً، يقدم مؤشراً أولياً على قدرة الاستيراد على ممارسة ضغط سعري على السوق، حتى لو كان هذا الأثر متفاوتاً بين منطقة وأخرى.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل مطالبات المربين فالمربي الذي يدفع اليوم تكاليف مرتفعة للإنتاج قد يجد نفسه غير قادر على المنافسة أمام فروج مستورد أقل سعراً، وفي هذه الحالة قد يكون الانخفاض الحالي في السعر على حساب انخفاض أكبر في الإنتاج المحلي لاحقاً.

وعندما يخرج المربي من السوق، سيعود النقص في المعروض، وقد نجد أنفسنا أمام ارتفاع جديد للأسعار، لكن مع اعتماد أكبر على الاستيراد.

إذاً المشكلة ليست في الاستيراد بحد ذاته، بل في تحويله من أداة مؤقتة لضبط السوق إلى بديل عن الإنتاج المحلي فالاستيراد يمكن أن يكون ضرورياً عندما يكون هناك نقص حقيقي في المعروض، لكن يجب أن يبقى مضبوطاً بالكميات والتوقيت، وبما يمنع إغراق السوق ويعطي المربي المحلي فرصة للاستمرار.

وفي المقابل، لا يجوز مطالبة المواطن بتحمل فاتورة حماية الإنتاج المحلي مهما ارتفع السعر فحماية المربي لا تعني حماية سعر مرتفع، كما أن حماية المستهلك لا تعني التضحية بقطاع إنتاجي كامل.

الحل الأكثر منطقية هو إدارة الحكومة المعادلة بدلاً من الانحياز إلى طرف فيها حيث يمكن السماح بالاستيراد خلال فترات العجز، مع تحديد كميات تتناسب مع حاجة السوق، وتشديد الرقابة الصحية، وضبط حلقات التوزيع والهوامش، بالتوازي مع تخفيض تكاليف الإنتاج المحلي عبر تسهيل وصول المربين إلى الأعلاف والطاقة والتمويل، ودعم استمرارية المداجن المنتجة بدلاً من دعم السعر النهائي فقط.

فإذا كان الاستيراد قادراً على خفض السعر اليوم، فإن المطلوب ألا يتحول هذا الانخفاض إلى سبب لخسارة المربي غداً….وإذا كانت حماية الإنتاج المحلي ضرورية، فإن المطلوب ألا تتحول إلى مبرر لاستمرار المواطن في دفع أسعار لا تتناسب مع دخله.

المعادلة الصحيحة ليست “المربي أم المستهلك”، بل مربٍ قادر على الإنتاج، وسوق قادر على المنافسة، ومستهلك قادر على الشراء، وما لم نعالج كلفة إنتاج الفروج من جذورها، فسيبقى الاستيراد مسكنا مؤقتا، وسيبقى المواطن والمربي يدفعان ثمن المشكلة ذاتها، كل بطريقته.