بين الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن عملية استبدال العملة تعد من الإجراءات النقدية الحساسة التي تستهدف تنظيم الكتلة النقدية وتعزيز سلامة التداول والحد من استخدام الأوراق النقدية التالفة أو المزورة، إلا أن نجاح هذه العملية لا يعتمد على القرار النقدي بحد ذاته، وإنما على سهولة التنفيذ، واتساع نطاق الوصول إلى الخدمة، ومستوى الثقة بين المواطنين والمؤسسات المالية.
وفي تصريح لـ “الوطن” قال عياش: إن اقتصار عمليات استبدال العملة القديمة على المصرف المركزي في دمشق مع احتمال فرض شروط وإجراءات معقدة، فإن ذلك قد يؤدي إلى ظهور آثار اقتصادية واجتماعية غير مقصودة تؤثر في كفاءة تنفيذ القرار وفي ثقة المواطنين بالنظام المالي، موضحاً أن أبرز هذه الآثار ارتفاع تكلفة الاستبدال على المواطنين، كتكاليف النقل والسفر والإقامة، وخسارة أيام العمل والإنتاج، وكذلك ارتفاع النفقات بالنسبة لكبار السن والمرضى وذوي الدخل المحدود، بالإضافة لزيادة الضغط على وسائل النقل والخدمات العامة، ونتيجة لذلك تصبح تكلفة الوصول إلى خدمة الاستبدال مرتفعة مقارنة بقيمة المبالغ المطلوب استبدالها، ما يدفع بعض المواطنين إلى تأجيل العملية أو الامتناع عنها، إضافة إلى انخفاض معدل الاستجابة للقرار، خاصة في ظل ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، ومحدودية الثقافة المالية، وكذلك التخوف من فقدان القدرة على التصرف بالأموال بعد الإيداع، مع الأخذ بعين الاعتبار القلق من الإجراءات الرقابية أو الضريبية، وبالتالي قد تمتد عملية الاستبدال لفترة أطول من المخطط لها، ومن الآثار الاقتصادية والاجتماعية كذلك زيادة الضغط التشغيلي على المصرف المركزي، كالازدحام الشديد. وبطء إنجاز المعاملات، وزيادة مدة الانتظار، مع إمكانية ارتفاع احتمالية الأخطاء التشغيلية وانخفاض جودة الخدمة، إضافة الى تعطيل جزء من السيولة المتداولة، حيث كانت المصارف تشترط فتح حساب مصرفي وإيداع قيمة الاستبدال فيه مع وجود قيود على السحب، الأمر الذي قد يؤدي عملياً إلى تجميد جزء من السيولة النقدية لدى المواطنين، ما ينعكس على انخفاض القوة الشرائية، وتراجع حجم الإنفاق الاستهلاكي. وانخفاض سرعة دوران النقود، وبالتالي تباطؤ النشاط التجاري، خصوصاً لدى أصحاب الأعمال الصغيرة.
ورأى عياش أنه كلما ارتفعت تكلفة الوصول إلى خدمة الاستبدال أو تعقدت إجراءاتها، ظهرت فرص لتحقيق أرباح غير مشروعة، من خلال ظهور وسطاء يقومون باستبدال الأموال مقابل عمولات مرتفعة، وحالة الاستغلال هذه ستستهدف بشكل رئيسي المواطنين في المناطق البعيدة، ما قد يؤدي ذلك إلى انتقال جزء من عملية الاستبدال إلى خارج القنوات الرسمية، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي للقرار.

في سياق متصل أشار عياش إلى أن نقص الفئات الصغيرة من العملة الجديدة في التداول خلال الفترة الحالية قد يكون بسبب تأخر طباعة أو توريد كميات كافية من الفئات الصغيرة، وتزايد الطلب عليها نتيجة ارتفاع الأسعار وكثرة عمليات البيع بالتجزئة، كما يمكن أن يكون بسبب قيام التجار أو المواطنين باكتناز هذه الفئات، فضلاً عن أن ضعف إعادة توزيع النقد بين المحافظات مع تركيز عمليات الضخ في مناطق محددة قد يؤثر على توفرها ويؤدي إلى نقصها، ومن الممكن أن يكون بسبب قيام المصارف بالاحتفاظ بما لديها من فئات صغيرة تحسباً للنقص.
ولفت إلى أن نقص الفئات الصغيرة في التداول قد يؤدي إلى العديد من الآثار السلبية مثل، انخفاض سرعة تداول النقود، وتراجع النشاط التجاري المحلي، مع إمكانية توسع الاقتصاد النقدي غير الرسمي، ما قد يؤثر على مستوى الثقة بالسياسات النقدية، وتوسع السوق السوداء، وارتفاع تكاليف المعاملات، كما قد يؤدي نقصها أيضاً إلى زيادة الفجوة بين المحافظات من حيث سهولة الوصول إلى الخدمات المالية.
واقترح عياش أن يتم التوسع في نطاق الاستبدال لمعالجة حالات الخلل التي قد تحدث بعد انتهاء مهلة التداول وحصر الاستبدال بالمصرف المركزي بدمشق حصراً، كالسماح لجميع فروع المصرف في المحافظات بتنفيذ عمليات الاستبدال، وتفويض المصارف العامة والخاصة بالمشاركة في العملية، وإشراك مؤسسات مالية مرخصة وفق ضوابط واضحة، إضافة الى العمل على تبسيط الإجراءات من خلال عدم إلزام المواطن بفتح حساب إذا لم يكن ذلك ضرورياً، وتمكين المواطن من استلام قيمة الاستبدال نقداً ضمن سقوف مناسبة، واختصار الوثائق المطلوبة، واعتماد منصة إلكترونية لتنظيم المواعيد وتخفيف الازدحام، فضلاً عن القيام بتعزيز الثقة، مثل إصدار تعليمات واضحة وشفافة بشأن حقوق المواطنين، وضمان حرية التصرف بالأموال المستبدلة ضمن الحدود القانونية، حيث سيساعد في ذلك تنفيذ حملة إعلامية رسمية للرد على الشائعات وشرح الإجراءات، ونشر بيانات دورية عن تقدم عملية الاستبدال، والعمل كذلك على معالجة نقص الفئات الصغيرة، من خلال زيادة ضخ الفئات الصغيرة في جميع المحافظات، وإعطاء أولوية لتغذية الأسواق التجارية. وتحسين آلية توزيع النقد بين المحافظات، وإعادة تدوير الفئات الصغيرة بسرعة من خلال المصارف، والتشجيع على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في المعاملات الصغيرة كلما توفرت البنية التحتية المناسبة، إضافة الى التركيز على مكافحة السوق السوداء، من خلال تقليل تكلفة الوصول إلى خدمة الاستبدال، وتمديد المهل الزمنية إذا دعت الحاجة، مع تشديد الرقابة على الوسطاء غير المرخصين، وتوفير نقاط استبدال متنقلة للمناطق البعيدة، وتمكين الوحدات الإدارية أو الفرق المصرفية الجوالة من الوصول إلى المناطق الريفية.








