محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تبدأ جلستها السادسة من محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري

مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من المصادر المفتوحة إلى المكتب الصحفي

‫شارك على:‬
20

تتكرّر يومياً، أمام السوريين عبارات “منفي”، “توضيح”، “مصدر”، “عاجل” كلمات قليلة، لكنها تكفي أحياناً لتعديل مزاج المتلقي وتوجيه فهمه للحدث خلال دقائق، شريطة صدورها عن جهة موثوقة وقادرة على الإقناع.

خلف هذه الكلمات المختصرة، ثمة جهد فريق، يواصل الليل بالنهار، لتقديم خدمة إعلامية، يراد لها النجاح والفاعلية.

غير أن هذا الجهد، في الحالة السورية، ما زال في كثير من الأحيان منقوصاً، ويحتاج إلى مزيد من المأسسة والتأطير والحوكمة، وإلى تدريب وتأهيل مستمرين للعاملين في المؤسسات الرسمية، فضلاً عن بناء علاقة تشاركية حقيقية مع صانع القرار، لتكون الردود والتوضيحات مبنيّة على معرفة دقيقة بتفاصيل الوقائع والقرارات وحيثياتها.

لقد فرضت خصوصية الحالة السورية اعتماداً ملحوظاً على المصادر الإعلامية المفتوحة، حتى باتت ركناً أساسياً في العمل الصحفي، سواء بالنسبة إلى الصحفي في المهجر أم حتى داخل سوريا.

هذا الاعتماد مبرّر من حيث الظروف، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة ثابتة أو بديل دائم عن المصدر المؤسسي المسؤول.

فالإفراط في الاعتياد على هذه المصادر يوقع كثيراً من الصحفيين في العثرات والأخطاء، ويدفع أحياناً صانع القرار إلى موقع المتلقي المنفعل، المستنفر لتدارك ردّات فعل الجمهور على قرارات صدرت من دون تمهيد كافٍ، أو من دون شرح واضح، ثم يجري نفيها أو توضيحها لاحقاً تحت ضغط الجدل المتصاعد.

صحيحٌ أن الانفجار المعلوماتي وسّع مساحة المشاركة، وفتح المجال أمام عدد هائل من الأصوات والمعطيات، لكنه في المقابل زاد الإرباك والتشويش، وخاصة في بيئة معقّدة كالحالة السورية، التي ما زالت تتلمس طريقها من إعلام مُغلق إلى فضاء أكثر انفتاحاً وعلنية وسرعة.

في حالات النزاع أو الأزمات السياسية، تصبح المعلومات المفتوحة أحياناً أداة من أدوات الصراع الإعلامي بين الأطراف المختلفة، فتُنشر روايات تخدم طرفاً بعينه، وتُضخَّم بعض الوقائع أو تُخفي أخرى، مستفيدةً من سهولة النشر وسرعة التداول وما تمنحه المصادر المفتوحة من قابلية واسعة للتأثير.

الصحفي، في كثير من الأحيان، يميل إلى “بناء خبره على رغيف غيره” تصريحات متناثرة، منشورات لمسؤولين، صفحات على فيسبوك، أو ما يورده مؤثرون ونشطاء في أماكن يصعب الوصول إليها.

وفي ظل سباق السرعة، يتراجع الحذر والتحقّق أحياناً لمصلحة النشر السريع. ثم حين تتكشف الحقائق، تكون” البيادر قد اشتعلت”، ولا يجدي كثيراً اعتذار متأخّر أو حذف خبر بعد انتشاره.

حدث هذا مراراً، لكننا نكرّر الخطأ نفسه، في ظل” الكسل المهني” أحياناً، والتساهل أحياناً أخرى، وغياب البدائل المنظّمة والقواعد الرادعة.

صحيحً أن من إغراءات المصادر المفتوحة أنها توفّر تنوّعاً كبيراً في الشهادات والآراء، وتتيح المقارنة بين روايات مختلفة، لكنها في كثير من الأحيان تبتعد عن “الشرب من رأس النبع”.

فكثيرٌ من الصور والفيديوهات المتداولة قد يكون قديماً، ويعاد نشره بوصفه جديداً، أو يكون معدّلاً أو مجتزأً من سياقه.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي نشر معلومة أو صورة من مصدر مفتوح إلى كشف هويّة أشخاص، أو تعريض شهود وناشطين لمخاطر أمنية، هذا عدا عن أن كثرة الحسابات الوهمية أو المنسقة قد تصنع رأياً عامًا زائفاً حول قضية معيّنة.

ثمة حلول ممكنة ومتاحة، تتمثّل بإعادة تنشيط دور المكاتب الصحفية ومديريات الإعلام، وألا ينظر إليها بوصفها وظيفة بروتوكولية أو هامشية. فدورها ينبغي أن يكون محورياً، شريكة في النقاش قبل القرار، وحاضرة في صياغة الخطة والبرنامج والرسالة، لا مجرد جهة تُستدعى بعد وقوع الالتباس.

المكتب الصحفي الذي لا يعرف تفاصيل القرار ولا سياقه، لن يكون قادراً على الإجابة عن أسئلة الصحفيين ولا عن استفسارات الجمهور.

اليوم بات مطلوباً من هذه المكاتب الصحفية، أن تتجاوز دورها التقليدي بوصفها ناقلاً للأحداث أو وسيطاً بين السلطة والجمهور، وأن تتحوّل إلى فاعل رئيسٍ في قراءة نبض الشارع، وفهم التحولات الاجتماعية والسياسية، والمساهمة في ترشيد الخطاب العام. فاستقراء الشارع لا يعني الاكتفاء بنقل أصوات الناس أو عرض آرائهم السطحية، بل يقتضي تحليل المزاج العام، و فهم ما يجري في الشارع.

يتوجب عليها في كل حين طرح الأسئلة، لتغدو شغلها الشاغل، ماذا يقلق الناس؟ كيف يستقبلون القرارات؟ لماذا يشتد الغضب أحياناً أو يخف؟ أبعد من تعليقات متفرقة، رغم أهميتها، يمكن لاحقاً تسميتها” حراس الحقيقة” حين تقترب بجدية أكثر لفهم الناس في ظروفهم ومعيشتهم ومخاوفهم.

كما أن إنضاج العلاقة المُثلى بين أطراف العملية الإعلامية، لا يقع على عاتق المكاتب الصحفية وحدها، بل يستوجب أيضاً جهداً مهنياً من الصحفي نفسه، سواء كان ممثلاً لمؤسسة إعلامية، أم حاصلاً على اعتماد رسمي كمراسل، أو مدرجاً ضمن قوائم الصحفيين المعتمدين.

فهذه العلاقة لا تنجح إلا حين تقوم على المسؤولية المشتركة.

فالمكتب الصحفي في الوزارة، ليس مصدر معلومات آلي، يستحق منك كثيراً من الإطراء الجميل، إنه مكتبة معلوماتك، شريك مهني، زميلك الذي يخفّف عليك انتظار ردود المسؤول المتأخرة غالباً.

العلاقة المثلى تتجسّد بالمكتب الصحفي الذي يمتلك المعلومة ويجيد تقديمها، وصحفي يعرف قيمة التحقّق ولا يستسلم لإغراء السرعة.

إن تفعيل المكاتب الصحفية اليوم ليس ترفاً إدارياً، ولا مجرد تحسين شكلي في أدوات الاتصال، بل ضرورة مهنية ووطنية، هدفها الحد من الفوضى، وتقليص مساحة الشائعات، وتقديم المعلومة من مصدرها الأول، في الوقت المناسب، وبالقدر الكافي من الوضوح والمصداقية.

عندها فقط يمكن تقليل الارتهان للمصادر الإعلامية المفتوحة، لا بإلغائها، بل بوضعها في مكانها الصحيح، مصدر مساعد، لا مرجعية بديلة من المؤسسة.