الوطن – أسرة التحرير:
ليس من الحكمة قراءة الأرقام بمعزل عن سياقاتها، ولا من الدقة الاكتفاء بوهج القفزات دون تفكيك ما تختزنه من تحولات عميقة، وعليه، فإن تقدم سوريا 36 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وفق تصنيف “مراسلون بلا حدود”، لا يُختصر في كونه إنجازاً رقمياً لافتاً، بل هو تعبير مكثف عن تحول سياسي واجتماعي وثقافي أوسع، بدأ يتبلور مع انطواء صفحة النظام البائد، وانفتاح البلاد على مسار جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
هذه القفزة غير المسبوقة، التي نقلت سوريا من قاع التصنيف إلى موقع أقل حدة، تكتسب معناها الحقيقي من كونها جاءت في بيئة إقليمية ودولية تشهد تراجعاً مقلقاً في حرية الصحافة، وفي عالم تتسع فيه رقعة التضييق على الإعلام، يصبح أي تقدم، لا سيما بهذا الحجم، مؤشراً على إرادة سياسية واعية بأن حرية التعبير لم تعد ترفاً، بل شرط من شروط الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وقد أثبتت التجربة السورية الحديثة أن إعادة الاعتبار للصحافة ليست مجرد خطوة إصلاحية، بل هي مدخل لإعادة صياغة المجال العام برمته، فالتحسن الذي سجلته المؤشرات الخمسة، ولا سيما المؤشر القانوني، يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق الضبط والسيطرة إلى منطق التنظيم والضمان، حيث تصبح القوانين أداة لحماية حرية التعبير لا لتقييدها.
وعلى الصعيد السياسي، يكتسب هذا التطور دلالة استراتيجية، إذ يعزز من موقع سوريا في معادلات الانفتاح الإقليمي والدولي، فالدول لا تُقاس اليوم بقدرتها على فرض السيطرة، بل بقدرتها على إدارة التعدد وضمان الحريات وبناء الثقة مع شركائها، ومن هنا، فإن تقدم سوريا في هذا المؤشر يشكل رسالة ضمنية بأن دمشق تدخل طوراً جديداً من التعافي السياسي، يقوم على الانفتاح والشفافية، لا على الانغلاق والاحتكار.
أما اجتماعياً، فإن اتساع هامش حرية التعبير يفتح الباب أمام إعادة ترميم النسيج الوطني، الذي أنهكته سنوات الصراع والاستقطاب، فسوريا، بتاريخها الثقافي العريق وتنوعها الفكري، لا يمكن أن تستعيد توازنها إلا عبر الاعتراف بهذا التنوع، ومنحه مساحة للتعبير والتفاعل، والإعلام الحر في هذا السياق المنضبط، ليس مجرد ناقل للأحداث، بل منصة لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وإنتاج سردية وطنية جامعة تتسع للجميع.
وفي البعد الثقافي، يمكن النظر إلى هذا التقدم بوصفه استعادةً متدرجة لهوية سوريا الحضارية، التي لطالما ارتبطت بالإبداع والانفتاح، فبلاد قدمت للعالم أولى الأبجديات، لا يمكن أن تبقى رهينة خطاب أحادي أو فضاء مغلق، ومن هنا، فإن تحرر الصحافة يشكل شرطاً لإحياء دور سوريا الثقافي، واستعادة موقعها كمركز للإنتاج الفكري والإعلامي في المنطقة.
بالنتيجة، تمثل قفزة سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 علامة فارقة في مسار التحول الوطني، إذ بينما تتشكل ملامح “سوريا الجديدة”، فإن الرهان الأكبر يكمن في ترسيخ معادلة دقيقة: دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع حي بتنوعه، وإعلام حر يربط بينهما، هذه المعادلة إن اكتملت، يمكن أن تجعل من التجربة السورية نموذجاً يُحتذى في التعافي والاستقرار، والتناغم الاجتماعي في منطقة أنهكتها الأزمات.






