مصادر في وزارة الدفاع تنفي لـ “الوطن” تحليق طائرات حربية للجيش العربي السوري

الرئيس الشرع يستقبل المبعوث الأميركي توماس باراك في قصر الشعب ويبحث معه مستجدات الأوضاع في سوريا والمنطقة

قوات الاحتلال الإسرائيلي تنصب حاجز وتفتش المارة على طريق الأصبح _ مزرعة الفتيان جنوبي القنيطرة

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الملفات المعيشية وفجوة الثقة.. رسالة إلى القيادة السورية

‫شارك على:‬
20

لم تعد الملفات المعيشية في سورية مجرد تفاصيل اقتصادية يومية، بل أصبحت معياراً مباشراً لقياس مستوى الثقة بين المواطن والدولة، ومرآة تعكس حجم التحديات التي يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم الأساسية. وفي مقدمة هذه الملفات يأتي ملف القمح، بوصفه محصولاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي الوطني، وباستقرار الفلاح الذي بقي سنوات طويلة أحد أعمدة الصمود في الريف السوري.

لقد جاءت تسعيرة القمح الأخيرة محمّلة بكثير من علامات الاستفهام في أوساط الفلاحين، الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة: تكاليف إنتاج مرتفعة من محروقات وأسمدة ونقل وريّ، في مقابل تسعيرة لا تعكس -بحسب تقدير كثيرين منهم- حجم الجهد والخسارة اللذين تحملوهما خلال الموسم الزراعي. وهو ما ولّد حالة من التوجس والقلق، لا على مستوى الربح والخسارة فحسب، بل على مستوى جدوى الاستمرار في الزراعة نفسها.

إن الفلاح السوري الذي صمد في أحلك الظروف، لم يكن ينتظر امتيازات استثنائية، بل كان ينتظر إنصافاً يضمن له الحد الأدنى من التوازن بين كلفة الإنتاج وسعر الشراء، بما يحفظ استمرار دورة الإنتاج الزراعي ويشجع على التمسك بالأرض. غير أن الشعور السائد لدى شريحة واسعة منهم اليوم هو أن الفجوة بين الواقع المعيشي والقرار الاقتصادي لا تزال واسعة، وأن صوت الميدان لا يصل دائماً إلى طاولة القرار بالشكل الكافي.

ولا يمكن فصل هذا الملف عن السياق المعيشي العام، حيث تتقاطع أزمات الكهرباء والمحروقات وارتفاع تكاليف المعيشة، لتشكل ضغطاً متراكماً على المواطن السوري بمختلف فئاته. هذا التراكم في الأعباء يجعل أي قرار اقتصادي مرتبط بلقمة العيش أكثر حساسية، وأكثر تأثيراً في المزاج العام والثقة الاجتماعية.

ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن فقط في مضمون القرارات، بل في طبيعة التقدير الذي تُبنى عليه، وفي مدى استنادها إلى الواقع الميداني بكل تعقيداته، لا إلى أرقام مجردة أو تصورات نظرية قد لا تعكس حقيقة المعاناة اليومية.

إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات، تحتاج إلى أعلى درجات الدقة في إدارة الملفات المعيشية، وإلى مراجعة مستمرة لنتائج القرارات وانعكاساتها، لأن تراكم الشعور بعدم الإنصاف قد يوسع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز هذه الثقة لا إضعافها.

وفي هذا السياق، فإن الرسالة الموجهة إلى القيادة السورية تنطلق من حرص على الاستقرار العام، مفادها أن بعض الملفات المعيشية الحساسة تحتاج إلى مزيد من التدقيق في المشورة المقدمة بشأنها، لأن سوء التقدير في هذا النوع من القرارات قد ينعكس على المجتمع بأكمله، ليس اقتصادياً فقط، بل اجتماعياً ونفسياً ايضاً .

إن الفلاح السوري لم يكن يوماً عبئاً على الدولة، بل كان جزءاً من صمودها، وأي سياسة اقتصادية ناجحة تبدأ من إنصافه، ومن ضمان استمراره في الإنتاج، لأن استقرار الغذاء هو أساس استقرار الوطن، وأي خلل في هذا المسار ستكون له تبعات تتجاوز الحسابات الآنية إلى المستقبل البعيد.

أسأل الله أن يحفظ سورية وأهلها، وأن يرزق أهلها الأمن في معاشهم، والبركة في أقواتهم، وأن يهيّئ لبلادنا من أمرها رشداً، ومن يسرها فرجاً، وأن يوفق القائمين على شؤونها لما فيه العدل والرحمة وحسن التدبير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.