في عالم تتزايد فيه لغة التهديد والاستعراض السياسي، تبقى سلطنة عُمان نموذجاً مختلفاً في المنطقة؛ دولة اختارت الحكمة بدل الصخب، والدبلوماسية بدل المواجهة، والحياد الإيجابي بدل الاصطفافات الحادة. لذلك، فإن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتفجير سلطنة عمان، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره تعبيراً عن خلل في فهم طبيعة هذا البلد ودوره الحقيقي في استقرار المنطقة.
لقد عرفت عُمان، عبر تاريخها الحديث، بأنها دولة تفتح أبواب الحوار حين تغلق أبواب السياسة، حيث لعبت أدواراً هادئة لكنها مؤثرة في تقريب وجهات النظر بين خصوم إقليميين ودوليين، وأسهمت في تهدئة أزمات كان يمكن أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. هذه السياسة لم تكن ضعفاً، بل كانت انعكاساً لرؤية عميقة تؤمن بأن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج العسكري، بل بقدرة الدولة على بناء الثقة واحترام الجميع.
الحديث عن تهديد سلطنة عُمان بالقوة، حتى لو جاء في إطار خطاب سياسي متشنج، يكشف عن عقلية ترى العالم بمنطق الإملاءات لا بمنطق الشراكة، فالدول التي تتبنى الحياد والحكمة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها خصماً، بل باعتبارها صمام أمان إقليمي، وعُمان تحديداً أثبتت أن التوازن السياسي يمكن أن يكون قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.

كما أن أي تهديد ضد دولة ذات سيادة يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، ويضعف صورة الدولة التي تطلق تلك التهديدات أكثر مما يضعف الطرف المستهدف، فالعالم اليوم لم يعد يتقبل بسهولة لغة التهديد المباشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة لم تعرف بالعدوان أو التدخل أو التصعيد.
إن قوة عُمان الحقيقية تكمن في هدوئها، وفي قدرتها على البقاء بعيدة عن الاستقطابات الحادة دون أن تفقد احترام الجميع، وهذا ما جعلها تحظى بمكانة استثنائية لدى شعوب المنطقة ودوائر القرار الدولية، فالحكمة ليست حياداً سلبياً، بل هي فن إدارة المصالح دون خسارة المبادئ.
من نافلة القول إنه قد تستطيع بعض القوى فرض نفوذها بالقوة لفترة من الزمن، لكن التاريخ يثبت أن الدول التي تبني مكانتها على الاحترام والثقة تبقى أكثر رسوخاً وتأثيراً، وعُمان، بما تمثله من اتزان وعقلانية، ستظل نموذجاً لدولة تعرف كيف تحمي مصالحها بهدوء، وكيف تكسب احترام العالم دون تهديد أو استعراض.
الوطن _ أسرة التحرير








