يبحث وزير الاقتصاد السوري نضال الشعار مع نظيره اللبناني عامر البساط والوفد المرافق له، خلال اجتماع جمعهم اليوم سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، في إطار مساعٍ مشتركة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مرحلة أكثر عملية وتنظيماً بما يخدم مصالح الشعبين.
وأكد الشعار أن اللقاءات مع الأشقاء في لبنان أرست أسس تعاون عملي في قطاعات متعددة بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويعزز العمل العربي المشترك، مشيراً إلى أن التعاون مع الجانب اللبناني يشمل تطوير آليات تبادل المعلومات وبناء مراكز متخصصة لجمع البيانات وتحليلها وقياس المؤشرات، بما يدعم عملية اتخاذ القرار ويرفع كفاءة العمل الاقتصادي.
وأضاف أن العمل جارٍ على استكمال مذكرات التفاهم بين اتحادات غرف التجارة والصناعة في سوريا ولبنان، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري ويحقق نتائج ملموسة خلال المرحلة المقبلة.
علاقة تتجاوز التبادل التجاري
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أن العلاقة الاقتصادية السورية-اللبنانية لا تقتصر على كونها علاقة تبادل تجاري بين دولتين جارتين، وإنما تمثل حالة فريدة من التداخل العضوي البنيوي الممتد لعقود، وهو ما يمنح التعاون بين البلدين أهمية استراتيجية كبيرة.
وأشار إلى أن لبنان يشكل النافذة البحرية والمالية التاريخية لقطاع الأعمال السوري، في حين تمثل سوريا الشريان البري والعمق الجغرافي الوحيد لعبور البضائع اللبنانية نحو أسواق الخليج والعراق وتركيا، ما يجعل أي خلل في هذا المسار سبباً مباشراً لارتفاع تكاليف الشحن والمخاطر التشغيلية في لبنان.
وأضاف أن هناك تكاملاً تاريخياً في سوق العمل بين البلدين، إذ تمثل العمالة السورية ركيزة أساسية في قطاعي البناء والزراعة اللبنانيين، بينما كانت الرساميل والخبرات المصرفية والخدمية اللبنانية شريكاً رئيسياً في المشاريع الاستثمارية والصناعية داخل سوريا.
ولفت إلى أن البلدين يواجهان صدمات اقتصادية متزامنة تتمثل في أزمات السيولة والتضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، الأمر الذي يجعل التنسيق المشترك أداة مهمة لتعزيز الأمن الغذائي وحماية سلاسل التوريد من المخاطر الخارجية والعقوبات، من خلال إيجاد قنوات تبادل بديلة مثل المقايضة أو السداد بالعملات المحلية عند الحاجة.
نواة لتكامل اقتصادي إقليمي
ويرى أشرم أن التعاون السوري-اللبناني يمكن أن يشكل حجر الأساس لتكتل اقتصادي إقليمي أوسع يضم مستقبلاً العراق والأردن، مستفيداً من الترابط الجغرافي وحاجة المنطقة إلى إعادة الإعمار وتحقيق النمو الاقتصادي، لكنه شدد على أن نجاح هذا المسار يتطلب أولاً استكمال الإطار المؤسساتي الناظم للعلاقات الاقتصادية، وفي مقدمته تطوير الأنظمة الجمركية، وتوحيد المواصفات القياسية، وتعزيز آليات التحكيم التجاري، قبل الانتقال إلى توسيع نطاق التعاون الإقليمي.
ويرى أن القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة في هذا التكامل تتمثل في قطاع الطاقة والكهرباء من خلال مشاريع الربط الكهربائي وخطوط الغاز، وعلى رأسها خط الغاز العربي، لما يوفره ذلك من خفض لتكاليف الإنتاج الصناعي وتعزيز للأمن الطاقي في البلدين.
وأضاف أن قطاع اللوجستيات والنقل العابر يعد من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق عوائد مباشرة، عبر تطوير شبكة السكك الحديدية والطرق السريعة التي تربط موانئ البحر الأبيض المتوسط في بيروت وطرابلس واللاذقية وطرطوس بالعمق العراقي وأسواق الخليج، بما يرفع الإيرادات الناتجة عن خدمات النقل ويخفض مخاطر الشحن.
كما أشار إلى أن التكامل الزراعي والصناعات الغذائية يمثل فرصة مهمة من خلال تنسيق المواسم الزراعية وإعداد روزنامة زراعية مشتركة تمنع إغراق الأسواق وتدعم التصنيع الغذائي الموجه للتصدير، بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية في الأسواق العالمية، إلى جانب فرص التعاون في قطاعي السياحة والخدمات الطبية والتعليمية عبر الترويج للمنطقة كوجهة سياحية متكاملة والاستفادة من الإمكانات التعليمية والطبية المتوافرة في البلدين.
أساس السياسات الاقتصادية
وأكد أشرم أن بناء قواعد بيانات مشتركة ومؤشرات أداء بين سوريا ولبنان يمثل أحد أهم عناصر نجاح التعاون الاقتصادي، موضحاً أن البيانات أصبحت في الاقتصاد الحديث مورداً استراتيجياً، وأن غيابها أو ضعفها يعد من أبرز المخاطر التي تواجه الاستثمار وصنع السياسات الاقتصادية.
وأوضح أن الربط اللحظي بين قواعد البيانات الجمركية والضريبية من شأنه الحد من التهريب واقتصاد الظل، وتحويل التجارة غير النظامية إلى قنوات رسمية، بما يرفع الإيرادات الحكومية ويوفر بيانات أكثر دقة عن حجم النشاط الاقتصادي.
وأضاف إن قواعد البيانات المشتركة ستسهم في تقليل فجوة المعلومات بين صانعي القرار في البلدين، وتحد من اتخاذ قرارات مبنية على تقديرات متباينة، كما تساعد في توجيه الاستثمارات بصورة أكثر كفاءة، عبر توفير مؤشرات دقيقة توضح للمستثمرين أفضل مواقع توظيف رؤوس الأموال، سواء في إنتاج المواد الأولية داخل سوريا أو تصنيعها أو تسويقها عبر لبنان، بما يمنع تكرار المشاريع غير المجدية ويحقق كفاءة أعلى في تخصيص الموارد.
وأشار كذلك إلى أن مؤشرات الأداء المشتركة، مثل زمن العبور الحدودي، وكلفة المعاملة الواحدة، وحجم التحويلات التجارية، ستتيح قياس نتائج مذكرات التفاهم بصورة عملية بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات السياسية، كما أن توحيد قواعد البيانات الخاصة بالمواصفات القياسية وجودة المنتجات سييسر نفاذ السلع إلى الأسواق ويحد من العوائق البيروقراطية، لتصبح السياسات التجارية أكثر مرونة واستناداً إلى بيانات ومؤشرات علمية.
وختم أشرم بالتأكيد على أن الدوافع الاقتصادية لتعزيز التعاون بين سوريا ولبنان متوافرة، كما أن النوايا السياسية موجودة، إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بسرعة استكمال الأطر المؤسساتية، وفي مقدمتها مجلس الأعمال واللجنة الفنية المشتركة، وتحويل التفاهمات إلى آليات تنفيذية قابلة للقياس تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع.






