لم تعد قصة الكهرباء في سوريا تقاس بعدد ساعات الانقطاع فقط، بل بما يمكن أن تتيحه عودة التيار من قدرة على تحريك الاقتصاد والإنتاج والاستثمار، ولذلك فإن انتقال التغذية من نحو 8 ساعات يومياً إلى 20 ساعة خلال النصف الأول من عام 2026، يحمل دلالة تتجاوز حدود الخدمة اليومية إلى اختبار فعلي لمسار التعافي الاقتصادي.
وزير الطاقة المهندس محمد البشير أعلن، أن قطاع الكهرباء أنتج خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 10 ملايين ميغا واط، مشيراً إلى ارتفاع ساعات التغذية إلى 20 ساعة يومياً، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة ستحمل المزيد من العمل والإنجاز لتطوير القطاع.
وبقراءة اقتصادية لهذه الأرقام، فإن التحسّن في التغذية يمكن أن يخفف واحدة من أبرز التكاليف غير المباشرة التي تحمّلها الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية، إذ اضطرت المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية إلى الاعتماد على بدائل أكثر كلفة لتأمين الكهرباء، ما انعكس على كلفة الإنتاج والأسعار والقدرة التنافسية.

ويرى الخبير بقطاع الطاقة الدكتور موسى الشحادات في تصريح لـ”الوطن”، أن ارتفاع ساعات التغذية يمثل مؤشراً إيجابياً مهماً، لكنه لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد ساعات وصول التيار، بل بمدى استدامته وقدرة المنظومة على تلبية الطلب المتزايد، موضحاً أن أي تحسّن حقيقي في الكهرباء يجب أن يرافقه الاستقرار في مصادر الوقود، وتأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد والأعطال.
وتشير بيانات سابقة إلى أن الإنتاج الكهربائي المحلي كان يدور عند مستويات تقارب 2200 ميغا واط، مع احتياجات كبيرة من الغاز لتشغيل محطات التوليد، فيما كانت تكلفة إنتاج الكيلو واط مرتفعة وتتحمل الدولة خسائر كبيرة في القطاع، ما يجعل استدامة التحسّن مرتبطة بقدرة القطاع على معالجة جانب التكلفة إلى جانب زيادة الإنتاج.
ومن ثم فإن الوصول إلى 20 ساعة تغذية لا يمثل نهاية أزمة الكهرباء بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها تحويل الكهرباء من مشكلة تستنزف الاقتصاد إلى بنية تحتية تدعم الإنتاج. والاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون كم ساعة تصل الكهرباء إلى المنازل، بل كم ساعة مستقرة تستطيع المصانع والورش والمنشآت أن تبني عليها خططها وتكاليفها واستثماراتها؟








