الوطن ـ نجوى صليبه
يعود الشاعر قاسم العاني (مواليد دير الزّور 1983) إلى دمشق بهمّة عالية، فخلال يوم واحد كنّا على موعد مع أمسية شعرية، وحفل توقيع مجموعته الشّعرية الأولى “المنتمي” والتي فضّل أن تُطبع وتُصدر في دمشق عن “دار دلمون الجديدة”، على الرّغم من تنقّله بين تركيا وألمانيا ومعرفته بدور النشر الموجودة فيها.
وفي تصريح خاص لـ”الوطن”، قال: “نحنُ إن أُمرنا بالبرِّ اتَّبعنا أحسنَهُ، فكيف أدعو الناس إلى الانتماء وتكون أولى خطواتي خارج دائرة الرحم التي ولدت فيها”.

أما “المنتمي” بالنّسبة إلى العاني فهو “كلّ إنسان عربي هُجّر عن وطنه، لكنه ما يزال يحمله في قلبه أينما اتجه، والوطن لا يخلو من الحبيبة”، لذا نقرأ (فنابلس تئز النار في رأس العدا أزّا.. وبيسان تهز النخل تحت عروشهم هزا.. ورام الله تغز السيف بين جيادهم غزّا)، لكن هل ما يزال الشاعر العاني يؤمن بالعروبة؟ وهل ما تزال تشغله فلسطين كقضية عربية ومصيرية؟ يجيب: “الشعر هو مرآة للضمير الذي تشرّبنا أصالته العربية، وأنا كثائر سوري انتمائي الأول إلى القضية الفلسطينية من ثمَّ يليها الثورة السورية، وهذه ليست مبالغة إنما حقٌ لمن ترعرع على حب فلسطين أولاً، وثانياً لأنها حرب وجود امتدت أكثر من سبعين عاماً، وثالثاً وهو الأكثر أهمية لأنها أولى القبلتين ومسرى الرسول الكريم وأرض رباط، ولو كان الدين بالرأي لأعدنا القبلةَ للمسجد الأقصى “الذي باركنا حولهُ”، فهي أطهر بقاع الأرض وأكرمها من وجهة نظري”.
يعتمد العاني على عناوين فرعية مخصصة للقضية التي ينتمي إليها، ويرفق كل عنوان برسم يقارب الفكرة أو يتلاءم معها، وكأنّما يعطي القارئ رأس الخيط، ويوجهه إلى ما يريد، يبيّن: “برأيي الشاعر هو المعلَم الأفضل لهذا الكون حينما يوجه بوصلته باتجاه اكتشاف هذا العالم وأسراره ويتحول من الذاتية إلى الوجودية”.
يهب العاني الأشياء حيوات وأرواحاً، فنقرأ مثلاً “ذاكرة البئر” و”كنت تباري وحدة نزعت أظفار ليلك”، وغيرها الكثير، لدرجة أنها فائضة في بعض النصوص، وبسؤاله عمّا إذا كان هدفه إبراز القدرة على خلق الصور الشعرية أم دفع القارئ إلى بذل الجهد في التفسير والتأويل، يجيب: “الشعر الفلسفي متعدد التأويل فعلاً، وذو بوصلات عجيبة، أما التصوير فهو النجم الذي يستدلُّ فيه ذاك القارئ، فما الفائدة من تقديم صور مكررة أو شعر مدوّر عن السابقين؟ وهنا ينبت مفهوم التطوير والتحديث في القصيدة العربية”، إضافة إلى ذلك نقرأ نصوصاً تعبق بالصّوفية التي يقول عنها: “هي نتيجة محطات ومتغيرات طويلة مررت فيها، وأبرزها وأكثرها تناقضاً السلفية والشيوعية”.
وبحلوها ومرّها تحضر البيئة الأولى في نصوص قاسم العاني، وفي هذا يقول: “أنت حرٌّ في اختيار نمط حياتك، لكنك لست حراً في اختيار أسمائك وصفاتك، لذلك البيئة تفرض هيمنتها على النص الشعري بلا تكلّف”، كذلك تسبقه العاطفة إلى أي فكرة مادية أو لا مادية ولاسيما في النصوص التي يكتبها عن الأمومة وحكايا الجدّات.
وتحت عنوان “درويش في حضرة أبيه الموت” نقرأ: “يقول مهاجر عربي/ تعالوا نسكب الأحداق والأعمار والأقدار/ في كأس/ لنشرب سكرة الموت”.. فهل كان لبلاد المهجر دور سلبي أم إيجابي في كتابته الشّعر؟ يجيب العاني: “على عكس ما يطرحه النقاد والشعراء، لولا المهجر وقسوته علينا لما استطعنا أن نكتب حرفاً بهذا الجمال.. اليوم والبارحة وقبل مئات السنين، شاعر المهجر يصنف الأول نقديّاً وشعريّاً، لذلك أراها إيجابية جداً”.
كذلك نقرأ تحت عنوان فرعي “م. لمحطة مهجوة”: إن كنت تبحث عن ضالتك ولم تجدها هنا، فهذا فخ صنعته لك الأيّام”… فهل على الشاعر إعداد عدّته للمستقبل أم لا؟ يوضّح العاني: “هذا يعتمد على تصنيفنا للشاعر وللشعر.. فإن كان ناضجاً ومثقفاً سابراً أغوار الحياة فهو يعدّ مستقرئاً أو متنبّئاً، وقليلٌ هم المفلحون في ذلك”.
النشاط المجتمعي والإنساني طريق آخر سلكه قاسم العاني بالتوازي مع الشعر، وسار أولى خطواته منذ سبع سنوات، عندما أسس “جمعية البيت الفراتي” في اسطنبول، ويحدثنا عن هذه التجربة: “كانت جيدة، استطعنا من خلالها جمع كل المثقفين والمتعلمين في دائرة واحدة، ثمّ انتقلت إلى ولاية أورفا وأسست “صالون فسحة سماوية” المعني بشؤون الشباب وتطوير مواهبهم وتقديمهم إلى المجتمع كمثقفين وقادة، وبعدها “جمعية النخبة للأدباء والمثقفين” والتي حوربت في بادية انطلاقتها، ولأنني شخص لا يقبل الظلم التحقت بهم وبقيت فترة طويلة بغرض الدعم والتطوير، وفي الختام شكلت “فريق خطوة بخطوة” المهتم بالشؤون الإنسانية والثقافية والإغاثية وبقيت فيها حتى سافرت إلى ألمانيا في عام 2024″، وبالسؤال عن دور المثقف في توعية المجتمع، يجيب العاني: “اختلف تعريف المثقف عبر العصور، لكن من وجهة نظري المثقف هو من يستطيع إصلاح ما أفسده الآخرون، وهذا هو دوره أو رسالته في الحياة”.








